الجمعة، يوليو 04، 2008

حوض الدِرس ..

الزمان : أواخر شتاء العام 2007 .
المكان : مدينة السويس ، حوض الدرس .
الحدث : محاولة عبور تنذر بالـفشل .
رياح الليلِ كانت تبدو هائجةً في هذه اللحظة ، حينما ابتسمت ابتسامتها المفتعلة الباهتة التى تغزو عقله ، وتأسر كيانه .
انشغل عن ملاحظة العالم من حوله ، واكتفي بملاحظة عينيها ، وخمارها الطويل ، وأصابعه إذ تتسلل من تحته . ابتسمت حينما وصل إلى مآربه ، فانتزعت يده بعنف ، وزجرته . ثم تركته ومشت .
جرى وراءها ، واستسمحها ، فدلفت إلى الشارع الجانبى الذي تحيطه الأشجار على الجانبين فتخفيه عن العيون . استندت إلى جذع شجرة صغيرة ، و ارتسمت في عينيها لمحة شجن وعشق وهي تقول : هذا هو طريق العاشقين الذي حلمت به دائمًا ، وتمنت أن تسير فيه مع حبيبها ، ثم ابتسمت ابتسامة منكسرة وقالت أنها لم تحصل في أي يوم على حبيب .
مسك كفيها واحتضنهما وقال لها كيف تقول هذا وهو معها ، أكد لها أنه حبيبها وسيظل كذلك .
سحبت يدها ببطء ، وسألته إن كان يخدع نفسه أم يخدعها . تنهدت ثم أخبرته أنه في كل الأحوال سيحصل على ما يريد ، ورجته أن يكف عن سرد الأكاذيب على مسمعها .
نظر ناحية مدخل الطريق ، ثم نظر لها . شبك كفيه وسكت . وتساءل : لماذا لا تصدقه ؟ ألإنه بالفعل كاذب ؟ ولماذا يكذب ؟
الآن وهو عائد فوق الطريق الترابي الفاصل بين المدينة والمعسكر تساءل كيف استطاعت أن تخدعه بهذه البساطة . هو كان يعرف ما يريد . فلماذا سعى لشيءٍ آخر .
فتح الكشاف الضخم بين يديه . ليستكشف الطريق . كانت الساعة قد تخطت الثالثة بعد منتصف الليل . كوّر الورقة بين يديه بعنف بعد أن تطلع مرارًا إلى توقيعهما المتجاورين .
وصل إلى قمة الجبل الترابي ، والآن عليه أن يتمطى الحذر ، فلا يظهر من الناحية الأخرى كي لا يراه أحد .
لكنها رأته وهو يحاول مسح الدمعة التى تساقطت خفيه وفي لحظة خاطفة . فسألته عما به ، فضحك .
هي برغم كل ما بها لم تكذب ، ولم تتحايل عليه .
حينما قاما ، وتخطا الطريق الشجري ، حاول مسك يدها من جديد ، فزفرت بعنف وتركته .
أوقف الميكروباص ، وتركه يقودهما إلي المكان المعتاد . أعطى السائق أضعاف الأجرة ، فنظر لهما بقرف ، ورفع صوت الكاسيت ، ومضي إلى بدايات الطريق الصحراوي .
وعلى المقعد الخلفي بدأت رفع ملابسها ، وفك قيود ثمارها الحيوية .
كان السائق يلقي نظرة على المرآة الخلفية ، ونظرة على الطريق الصامت المقفر . أعمدة الإضاءة قد وهنت قوتها .. وقلت أعدادها . فدار حول الطريق وبدأ رحلى العودة . خفّض صوت الكاسيت ، وقال لهما بالخلف أنه بدأ العودة .
كانا قد انتهيا ، وهي كانت تمسح دموعها في حرقة . سألها عن السبب فقالت لاشيء . وسألته إن أراد شيئًا آخرا .
قال لها أنه لا يريد ان يرى دموعها أبدًا . نظرت له بسخرية ، ورجته أن يسكت .
حينما عادا إلى مكانهما الأول ، كانت هي تهم بالرحيل ، لكنه استوقفها . أخبرها أنه لم يفعل ما فعله إلا لأنه أحبها وأرادها .
ضحكت بمرارة . وقالت له شكرًا . أكد لها كلامه ، فثارت في وجهه ، سألته إن كان يريد شيئًا آخرًا فتعطيه له بدون أجر إضافي .
قالت له انها يمكنها ان تعطيه ما هو أكثر ، لو كان يريد . صرخت بعنف تسأله عما يريد .
فقال لها باستكانه أنه لا يريد أن يري دموعها ، ولا يريد أن يكون هذا هو حالها . ضحكت من سذاجته .
قالت له أنها خلقت هكذا ، ولا سبيل لردها أبدًا ، إلا أن تجد حبيبها الذي تعرف أنها لن تجده .
قال لها من جديد أنه حبيبها . وأنه بالفعل يحبها . طلبت منه إثباتًا بعد أن ضاقت بكلامه . نظر لها . ثم أخرج حافظته . وبطاقته .
وطلب منها أن تفعل المثل .
الآن زلت قدمه في محاولة الهبوط . وقع ، وتدحرج فوق التل الترابي حتى وصل إلى سور المعسكر ، وطارت منه الورقة رغم أنه قبض كفه عليها بكل استماته .

الخميس، يوليو 03، 2008

أوراقٌ بلون الورد

فتحت الشرفة الصغيرة قبل بزوغ النور ، ورنت إلى الشارع الصامت .
كانت بقايا رياح الليل تعوي في الطريق ، وترفع الأتربة والأوراق المرمية فوق سطح الشارع بسنتيمترات قليلة ، لتدور حول نفسها دورات بهلوانية رائعة . واستسلمت هي لمتابعتها بعينين مستمتعتين .
جذبت الستارة الصغيرة جانبًا لتسمح للهواء المنعش أن يدخل حجرتها . وبدأت في تغيير ملابسها .
كانت ترتشف رشفاتٍ بسيطة من قهوتها الصباحية المعتادة ، وتستحلب مذاقها المر باستمتاعٍ أكبر . ثم جلست على الأريكة الصغيرة ، وتحاشت أن تلمس جسد اختها الصغير التى لا زالت نائمة بحذائها الرفيع المدبب .
رشفت رشفة صغيرة من بقايا كوب الماء الذي بخت به بلوزتها حينما كوتها اليوم بمجرد أن استيقظت . هكذا قال لها مرارًا من قبل أن رشفة الماء بعد فنجان القهوة مفيدة . لم تعرف بعد سبب الإفادة . لكنها تفعلها بروتينية ، ككل تفصيلة صغيرة في حياتها .
قبلت فم اخيها الرضيع ، وعبرت فوق جسد أمها قبل أن تركع لتقبلها وتهمس في اذنها : أنا ماشية . فتجيبها بهمهمةٍ واعية ودعاءٍ لها أن يقيها الله شر الطريق . قبل أن تتقلب الناحية الأخري .
تفتح باب الحجرة ، وتهبط السلمات القليلة إلى الشارع . فترفع الرياح طراف جيبتها وتلاعبها .
كان ضوء النهار قد بدا طفلا واهنًا لا يقدر على العناية بنفسه . وكانت قد خرجت إلى الشارع الرئيس ، لتجد صديقتها تنتظرها ، كان معها هذه المرة بعض أوراق فلوسكاب ملونة ، سألتها مبتسمة : إية الألوان دي كلها .
ضحكت صديقتها في خجلٍ وراحت تعد بإصبعها الصغير أسماء الألوان متصنعة لمحة الارستقراطية التى تبدو دومًا في كلام أم خطيبها : برجامون ، بستاج ، أونكس و روز لونى المفضل .
ضحكت بشدة من تقليدها الطفوليّ ، و اخبرتها أنها نست لونًا في غاية الأهمية .
قطبت حاجبيها مفكرة ، فقال لها وهي تغمز عينيها : الأحمر .
ابتسمت في خجلٍ وقالت أنها أخبرته بهذا لكنه قال أن الاحمر هو لون ملابسي لأنني انا الحب . واعطاني هذه الكلمات الملونة .
من بعيدٍ أتى الميكروباص فارغًا إلا من سيدةٍ عجوز ، وطفلتين في المرحلة الابتدائية .
ركبت صديقتها ، وقبل أن تركب لاحظت قدومه من بعيد ، كان يخطو خطوته المسرعة ببنطاله الواسع ، لكنها لم تعرف لماذا تأخر هذه المرة . كان ينظر لها ، وكالعادة رأت مستقبلها في عينيه ، وتمنت لو كان أكثر شجاعة ليكلمها . ويخبرها .
ففي عينيه كانت ترى الحب متدفقًا عبر رسائلٍ لا نهائية . مخطوطةٌ في دفاترٍ بلون الورد .

الأربعاء، يوليو 02، 2008

محاولاتٌ للصمود ـ 2

هذا العالم !!!
غريب جدًا أن أكون في هذا العالم . والأغرب أننى اتذكر كل فترةٍ وأخرى أنني لازلتُ فيه .
افكرُ أحيانًا في أن الفلسفة قد خلقت كي تشكل طريقتنا في الحياة ونظرتنا لها . ولنجعل بها حياتنا أفضل ، و تفاصيلنا أرقى ، وأعمق .
افكرُ أحيانًا ، أو أتفلسف ، وأحاول أن أفهم مغزى الحياة .
لقد خلقنا الله أحرارًا .. كلمة أثرت فيّ على مدار عمرى بأكمله منذ قرأتها للمرة الأولى وأنا في المرحلة الاعدادية ، بلسان مصطفي كامل .
الآن انا تقريبًا في نفس عمره يوم قالها . وأفكر فيها على كل الوجوه الممكنة .
لقد خلقنا الله أحرارًا .
لهذا مات مصطفي كامل وهو يسعى لحرية بلده ويحلم بها . ومات بعده بعقودٍ طويلة جيفارا وهو يحلم بحريةٍ أكبر للبشريةِ بأسرها . وماتت أسماءًا كثيرة بحثًا عن الحرية .
لقد خلقنا الله أحرارًا
فلماذا استعبدنا أنفسنا . لم يعد هناك استعمارُ واحتلالُ في حياتنا بقدر ما هو احتلال للقيم والأفكار والاتجاهات السلوكية للإنسان .
ربما كان هذا ما قصده موم حينما كتب " عبودية الإنسان " .
لقد استعبدنا انفسنا بمطلق حريتنا ، واستعبدتنا فكرةً أو رغبة أو ماضٍ حدد محل حياتنا . ولم نعد نقوى على انتزاع انفسنا من هذا القيد الاختياري .
حينما تفشل في حبك . ستمر بفترةٍ طويلةٍ جدًا ترفض فيها الحب . وتعلى من قيمتك الانسانية على حساب قلبك . ومشاعرك . ستشعر أنك تحولت ببطءٍِ إلى مجرد آله لها مهام عديدة . وربما وضعت في بعض أوبشناتها بعض مباهجك الشخصية . ولذتك الخاصة . لتكتشف بعد فترة ليست طويلة أنها مجرد حيل وهمية . وأسوار سجنٍ وضعت نفسك فيها بكامل إرادتك الحرة .
حينما توافق على وضع سوارٍ حول عنقكِ مقابل راتب شهري . وتعلل انك وقت ترفضه ستنزعه وتلقيه أرضًا فأنت واهم .
سيظل السوار ، وسيبقي فقط خوفك الشنيع من زواله . وزوال النعمة . لقد استغنيت عن حريتك بمطلق إرادتك . وتركت الكثيرين يعبثون في حياتك . وينتهكونها .
هل الخطأ في انك تعمل ؟ أو في ظروفك التى ساقتك لهذا ؟ أو في القيم الذي لم تتخيل فسادها لهذه الدرجة ؟
الخلل الأول كان في نفسك حينما بحثت عن القيد المفترن بالمال . وفرطت في حريتك بمطلق حريتك .
حتى في زواجك ، ستفرح بالتجربة الجديدة ، وبالأشواق الحالمة ، والعالم الجديد ، لكنك بعد عامٍ أو عامين . ستكتشف أنك لم تعد وحدك . وأن هناك آلاف المسؤليات الملقاه على عاتقك . وبأنك مضطرًا أن تتخلى عن أشياءٍ خاصة ومبهجة بالنسبة لك . لتقوم بهذا الواجب الأسرى . إن اللحظة التى تتنبأ فيها بفشل الزواج - الحب - العمل . هي اللحظة التى تشعر فيها بأن عليك أعباءً واجبة التنفيذ . وانها تحدد من حريتك ومن انطلاقك .
المشكلة لم تكن أبدًا في الحب - العمل - الزواج . ولكنها في اختاراتك الخاطئة لها .
فكر معي بهدوء
بعدوءٍ من فضلك .
انت حر .
انت تريد فعل أشياءً .. حدد هذه الأشياء . واكتبها
10ـ
عشرة أشياءٍ فقط . أنك جد قنوع . هذه حقيقة فعلا .
الآن وقد حددت سبل راحتك وحريتك . لماذا لا تحدد على أساسها مفردات حياتك الخاصة .
ضع نقطة . واسحب خطًا واثقًا صارمًا حاسمًا فاصلاً بين حياتك السابقة . وحياتك القادمة .
انت فكرت بمنتهي التروي والحكمة . وكل ما فات هي أشياءً تحدد من حريتك .
كم وقتًا ستحتاجة لتضع نقطة أمام حياتك الماضية . يوم . اثنان ؟ شهر ؟ عام ؟؟ عامان ؟
لا مانع . المهم أنك في الطريق الصحيح . وان في نيتك التحرر . وكرر كل يومٍ قبل أن تنام . أن الله قد خلقنا أحراراً.
واغمض عينيك .
واحلم .
بحياة جديدة .. وحرّة .
وحاول ان تنجح .

الخميس، يونيو 26، 2008

ردًا على ( مدونون مغتربون ) للسيد ياسين


من الطبيعي أن تلقى كل يوم من يتحدث عن فئة المدونين كمن يتحدث عن آفة دخلت المجتمع الحديث بغرابة .
ربما يتحدث عن أطفال الشوارع بموضوعية أكبر ، لأنه يفهم ظروفهم وحياتهم أكثر .
وربما ينتهي إلى أنه من الأفضل تجاهل المدونين ، ليكفوا عن هذا الشغب وتصديع الدماغ .
ومن الطبيعي أن يكون رد فعل المدونين في الأغلب عدم الالتفات إلي هذه النوعية من الكتّاب ( أو من اصطلح على تسميتهم كتّاب ) . ليمضي كلٌ في طريقه .
لكن حينما يبدأ في تناولنا ، مفكر في حجم وعقلية الأستاذ ( السيد ياسين ) ويتعثر في محاولته لفهم هذا الجيل الجديد من المدونين فلا بد أن يلتفت البعض منا . ويحاول أن يستمع إليه قليلاً ، فلربما وصلنا لمناقشة جديرة بأن توصلنا إلى درجةٍ أعلى في محاولة فهم أنفسنا وفهم مجتمعنا وكشف بعض الغيوم في مسار حياتنا .
ففي مقاله المنشور في الأهرام بتاريخ 19/6/2008 ، تحت عنوان ( مدونون مغتربون ) . بدأ السيد ياسين حديثه بأن بعض المدونين تعجلوا في طرح أفكارهم في كتب مثل ( عايزة أتجوز ) ، ( أرز باللبن لشخصين ) ، ثم الكتاب الذي قدمته دار العين بالاشتراك مع دار مزيد ، بجمع كل من : محمد كمال حسن ، و مصطفي الحسيني ، والغريب أنه لم يذكر الكتاب الأخير الذي قدمته دار اكتب تحت مشروع ( مدونات مصرية للجيب ) .
والحقيقة أن خروج المدونات في شكل كتب كان مفاجأة لأصحاب المدونات في الأصل . ثم أنه لم يأت كحدث مستقل ، وإنما أتى كحدث تلقائي تابع لحدث رئيس هو وجود عالم موازٍ من الفضاء السايبري يكشف النقاب عن وجه آخر من وجوه المجتمع المصري والعربي كان لابد من الاهتمام به والنظر إليه كجزء من قلب المجتمع ، وليس كمجتمع منعزلٍ على الأطراف ، كي لا نُصاب بالفصام المجتمعي الذي يصيبنا في كثير من النواحي .
بالنسبة لعبارة ( جوبلز ) التى رأي فيها الاستاذ ياسين أنها لم تستخدم بشكل موفق ، والتي صاغها الصحفيان ( مصطفي الحسيني ) و ( محمد كمال حسن ) التى تقول : ( عندما اسمع كلمة مدونة أتحسس مسدسي ) . فالجملة لا تعني بالضرورة أن المدونات تلعب هذا الدور السياسي الخطير في مواجهة السلطة السياسية ، ولكنها استخدام محرّف للمعني الذي قصده جوبلز ، وزير دعاية الرايخ الثالث ، وهو أن الثقافة تعني وجود شخصية للمجتمع ، وهو ما يصنع رأيًا عامًا شعبيًا محسوسًا وله كيانه المستقل الذي يفرض وجوده على السلطة السياسية ، وهو ما يرهبه ويرفضه بالتأكيد كل نظام ديكتاتوري ، والعبارة المحوّرة تعني أن التدوين بدأ في صُنع مجتمع شعبي شبابي مثقف ومستقل يستطيع أن يفهم واقع الحياة السياسية والاجتماعية ويكوّن مواقفه الخاصة تجاهها وهو مايقلق أي نظام دكتاتوري حديث ، وكأن التاريخ يعيد نفسه مع اختلاف بعض المعطيات البسيطة .
كلمة الأستاذ تعني أما أنه لم يفهم المقصد الحقيقي أو أنه كان يتخيل أن في المدونات الحل السحري لكل مشاكلنا الحياتية ، أو أنها جبهة المقاومة الشعبية العنيدة التى توازي المقاومة الفلسطينية بحجارتها ومعاطفها الملغمة . وهي رؤية خاطئة قطعًا .
ثم إن جوبلز لم يقل عبارته لشكه في المثقفين ، ولكن لخوفه الزائد منهم ، مما جعله يأخذ موقف عدائيًا مبالغًا فيه ، لأن الثقافة تعطله وتمنعه من القيام بدوره في الدعاية لحرب الفوهرر ، وهو أيضًا الذي قال ( كلما كانت الكذبة أكبر كلما كان تكذيبها عسيرًا ) فالمثقفون سيفهمون الكذب ويكشفون التلاعب وينددون به ، بينا الخراف تسير في القطيع .
ثم يخلص استاذنا إلي إطلاق حكم شامل ( تقريبًا ) على المدونات بوصفها بالركاكة الأسلوبية ، والفقر المضموني ، وفي هذا إجحافًا بكينونة هذا الجيل ، أولاً لأن أستاذنا من المستحيل أن يكون قد قرأ كل المدونات السياسية المعروضة على الانترنت ، ولم يأخذ حتى العينة الإحصائية المناسبة للدراسة ، لكبر هذا المجتمع الإحصائي بما يفوق القدرات .
ثانيًا أنه من غير الجائز معاملة التدوينات السياسية من ناحية المضمون بالمعايير الأكاديمية الصارمة التي نعامل بها أي مفكر سياسي عتيد ، حتى نخلص إلى هذا النتيجة التي صدمتني شخصيًا .
ثم يتحول الأستاذ: السيد ياسين إلى أخذ قاعدة اجتماعية كمدخل لحديثٍ جديد ، مؤكدًا أنه لدراسة الموقف دراسة صحيحة لا بد أن يكون هذا على ضوء دراسة بيئية للمجتمع الذي حدث فيه هذا الموقف . ثم يؤكد أن البيئة الجديدة التى حوت هذه الظاهرة المجتمعية - ظاهرة التدوين - هي حركة الانتقال الديموقراطي الذي يحدث في مصر !!!!!!!!!!!!!!!
ثم يبدأ في عرض ملامح التحول الديموقراطي باستفاضة أوجزها في النقاط التالية :
1- التعديلات الدستورية !
2- حرية الصحافة غير المسبوقة !!
3- تطبيق أحكام قانون الطوارئ !!!
4- التطبيق المنهجي للخصخصة !
5- تصاعد الاضطرابات والاحتجاجات والمظاهرات من فئات متعددة !
6- ارتفاع الاسعار ، ويتعجب السيد ياسين من أن هذا أدى إلى الحكم الجائر على السياسات الحكومية بالفشل !!!!!!!!!!!!!!
الحقيقة لا أعرف كيف لخص أستاذنا البيئة الجديدة التى شهدت ظاهرة التدوين في أن مصر تتجه اتجاهًا ديموقراطيًا . فلو كان هناك اتجاهًا ديموقراطيًا لما وجدت كل هذه النسبة من المدونات الزاعقة المنددة بالكبت السياسي . والنفجار الذي تؤدي له مجريات الأحداث .
ثم تلخيص ملامح التحول الديموقراطي في النقاط السابقة . لا أعرف هل كان أستاذنا النابه يحاول كتابة مقالة ساخرة ، أم مقالة تحليلية ؟
لقد افرط في وصف هذه النقاط و سقط في تفاصيلٍ نعرفها جميعًا ولا حاجة بنا إلى تكرارها بهذا الشكل المترهل .
ثم يقول أن تفسير المدونات يحتاج أولاً إلى رسم خريطة اجتماعية وثقافية للمجتمع حتى تظهر التضاريس والملامح البارزة !!
و الحقيقة أنني لا أفهم أيهما الفعل .. وأيهما رد الفعل ؟
لأن المدونات هي انعكاس لشخصيات جانب كبير جدا من المجتمع ، توضح هيئته الاجتماعية والثقافية ، فدراسة المدونات بدرجة من الاهتمام والعمق سنستطيع أن نرسم خريطة المجتمع الثقافية والاجتماعية .. وليس العكس .
ثم يتجه الأستاذ : السيد ياسين إلى التحامل على المدونات الذاتية ، متسائلاً عن جدواها ، وخارجًا منها بنتيجة غاية في الغرابة فهو يقول بالنص : (( المعلم البارز لحركة الانتقال التى يمر بها المجتمع المصري هو شيوع ظاهرة اختلال القيم .. والشك في قيمة أي ممارسة أصبح اتجاهًا سائدًا لدى الشباب مما أدى إلى ظاهرة الاغتراب )) التى تغرق فيها المدونات الذاتية .
والحقيقة أن هذا الكلام أولاً : يحمل الكثير من التضارب من ناحية التحليل النفسي التقليدي الذي تعلمناه من فرويد .
فالشك من قيمة أي فعل أو ممارسة سيؤدي إلى الابتعاد عن هذه الممارسة وعن فعلها ، وشيوع هذه الظاهرة سيؤدي إلى الابتعاد عن الاختلاط بالمجتمع مما سيؤدي إلى العزلة والنكماش ، وليس الاغتراب .
وفرق شاسع كما يعلم استاذنا بين الاغتراب والعزلة .
ثانيًا : أن اختلال القيم لا يعني الشك في نتيجة الممارسات الإنسانية ، فاختلال القيم قد يعني سوء السلوك ، وسوء الوسائل المستخدمة للوصول للغايات .
ثالثًا : هو أن الشعور الزاعق بالاغتراب الذي يظهر في كثير جدًا من المدونات الذاتية ليس سببه اختلال القيم ، ولا الشك في نتيجة الممارسات كما يتهم استاذنا هذا الجيل . ولكنه أتى من الاختلاف واضح المعالم بين العالم الذي يتمناه الجيل ، والعالم الذي يسعى إلى إيجاده ، وبين العالم الفعلي والواقعي الذي يحيا فيه .
هذا هو ما يؤدي إلى ظاهرة الاغتراب ، فمن الممكن أن أحيا وحيدًا منعزلاً ، لكننى لا أشعر بالاغتراب ، ومن الممكن أن أعيش وسط الناس ، وفي بؤرة الأحداث ، لكننى أشعر بشعورٍ ساحقٍ بالاغتراب ، وبأن هذا ليس مكاني ولا عالمي .

ثم خلص إلى سؤالٍ عبقري : هل يفهم الشباب حقًا التغيرات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي والآثار السياسية والاقتصادية والثقافية الكبرى التى ترتبت عليها ؟
ثم يتساءل عن كيفية رؤية الشباب للماضي ، وكيف يفهمون الحاضر ، وبأي شكلٍ يطلون على المستقبل ؟
والحقيقة أنه أوقع نفسه في دائرة مفرغة ، لأن أسئلته لا تحمل إجابة محددة منتهية .
فهي أسئلة تصلح لبداية مناقشة طويلة جدا ، نخلص منها إلى عدة نتائج مختلفة ومتباينة .
ربما كان ما يقصده هو كيف يعي الشباب واقعهم .. وكيف يفهموه . وهذا لا يحتاج إلى دروس تدريبية كما قال في نهاية مقاله . ولكنه يحتاج إلى قناة للحوار .. ولتبادل الأفكار . بعيدًا عن الفكر الكلاسيكي المهترئ والظن بأن أساليب الحوار والتعليم تسير دومًا في اتجاهٍ وحيد .
اعتقد ان بداية أي حوار منطقي ، وبداية أي بارقة أملٍ في المستقبل الذي يخشي السيد ياسين علينا منه هو الاعتراف بالعقليات الشبابية ، وبثوراتها و أفكارها . والثقة بها .
لا يجب أن تصل أعمارنا إلى الستين لنواجه كاميرا الحياة فجأة .. ونهابها , ونتخبط في حضرتها . بعد عمرٍ طويلٍ عشناه ككومبارس تافه على هامش الحياة .

الأربعاء، يونيو 25، 2008

محاولاتٌ للصمود ـ 1 ـ

غريبان كُنا ..!
رغم أن أحدًا لم يعرفنا كما عرفنا بعضنا !!
أهو بعضُ من محاولاتنا المستميتة للتشبث بالواقع بعيدًا عن الخيال المدمر ؟
كنتُ أقاوم رغبةً مستميتة في البكاء .. لكن محاولاتي للصمود نجحت .
اتفقنا أن نكون جديدين .. وأن ندع ما كان لما كان ..
اعرف يقينًا أننا فعلنا أشياءً لم يتقبلها الآخر .. لكننا كنا نحتاجُنا كصديقين جديدين .
في البدء كان الموت ..
لكن الحياة كانت في النهاية
قبل بلوغ خط الأجل
ارتقينا أحلامنا العابرة .. للحظاتٍ برغم كل المعوقات
تركنا العالم - للحظاتٍ قليلة - تركنا المشاكل التى تفرقنا .. تعدينا - عبر الأحلام - أسوارنا وسدودنا .. وتخيلنا أننا فوق السحاب .. نبدأ نقشًا أسطوريًا لن يعرف أسراره أحد .. ولن يقدر على فك طلاسمه غيرنا .
تغيرنا ؟
ربما .. لكن لأي شيءٍ ؟
كانت تُسمعني فيروز التى نعشقها .. لكنها لم ترى دمعةً طفرت جاهدتُ في إخفائها .
هي .. ربما تغيرت عما كانت
أنا .. تغيرتُ بالتأكيد .. ولم أعد كما كنت .
لكن ثمة شيءٌ صغيرٌ في داخلنا يحتاج الآخر . لأمانه معه .. وصداقته إليه
حينما التقينا .. وتواعدنا على لقاءٍ آخر .
رجعتُ وداخلي رجع شيءٌ جميلٌ افتقدته كثيرًا . لم يكن في حافظتى سوى تسعين قرشًا . والطريق يحتاج ثلاثة جنيهات . ببعضِ التحايل أصل نصف الطريق بثلاثين قرشًا .. والنصف الآخر لم يكن يجدي معه سوى تسلق القطار .
كان يغفو كشيخٍ عليلٍ على الرصيف .. نزلتُ إلى القضبان .. فبدأ يهمهم كالشيوخ إذا ما بدأوا حديثًـا مملاً كعادتهم .
جريت ومددتُ يدي إلى ذراعه الواهنة وارتقيته .. فبدأ الثورة والهيجان .. لم يعد هذا الشيخ المسكين .
فقط كنتُ أري عبر الباب الكبير الذي يستلقى عليه الليل بالخارج بعضٌ من أحلامي المستحيلة العابرة

الثلاثاء، مايو 20، 2008

ربما كانت تدوينة صديقي الأعز ( محمد الدسوقي ) هي ما ذكرتني بهذه اللحظات الجميلة ، حينما تحدث عن بعض مهاتراته القديمة . وعن التجربة التى خضناها في أكثر من جولة ، عبر منتديات شبكة روايات التفاعلية ، كان له الفوز في مرحلتها الأولى ، ولي الفوز في مرحلتها الثانية ، ولصديقنا الجميل ( عمرو عز الدين ) الفوز في مرحلتها الثالثة .
كانت تقوم على أن كل فائز في مرحلة يحدد أقصوصة أو مقطعًا من رواية ، لأديب معين . على أن يحدد معها أسلوب أديب آخر يقوم المشاركون بتقمص أسلوبه وطريقة حكيه في سرد الأقصوصة التى تم تحديدها . وقد اختار ( الدسوقي ) مقطعًا من قصة ( أبو الهول ) لأمير القصة القصيرة [ يوسف إدريس ] ، وحدد أسلوب الأديب الآسر [ أحمد خالد توفيق ] هو الأسلوب الذي سيتقمصه المشاركون في حكى القصة .
كان تحديًا جميلاً لجميع المشاركين . وقد فازت مشاركتى - بحمد الله - باستفتاء القراء بالمركز الأول .
ولصديقي الجميل ( محمد الدسوقي ) الشكر على تذكيرى بهذه اللحظات الرائعة .
-----------------------------------------------------
مقطع من قصة : أبو الهول
الكاتب : يوسف إدريس
-----------------------------------------------------
والأقلية كانت تتابع حديثى ، وكنت قد تعديت حدود كل معقول وأخذت أروى لهم تفاصيل دقيقة مزعجة عن حوادثنا ونوادرنا مع الجثث ، وكيف أننا نتناول طعامنا أحيانا فى المشرحة وعلى مرأى من البطون المفتوحة ، وأحيانا أخرى كثيرة نلعب ( الكوتشينة ) على صدور الموتى ، وكيف أننى صنعت من العظام والجماجم محابر ومساطر وأقلاما .. ثم حكيت لهم قصة طويلة عن الذراع الذى اشتريته مرة من فراش المشرحة ، وأخذته معى إلى حجرتى ، وما أحدثه من هرج ومرج بين سكان البيت ... الخ ... الخ .

وسألنى أبو الهول وهو لم يعد يحتمل :
- واشتريت الدراع بكام يا داكتور ؟
وتصنعت التذكر وقلت :
- والله خدته من الراجل يومها بريال .
فقال مبهوراً :
- ياه .. يا خبر أسود ومنيل ... أمَّال يا خواتى بنى آدم على بعضه يساوى كام يا داكتور ؟
فقلت وأنا أهز أكتافى :
- والله مااشتريتوش .. إنما يسوى له كده جنيه كده والاّ اتنين .
وانطلق المستمعون يرددون فى ذهول :
- شوف يا أخى .. آى والله .. صحيح .. ما أرخص من بنى آدم ..
- دى عبر لمن يعتبر ..
- لازم دول كانوا عملوا فى دنياهم عمل يغضب الله ..
وسألنى أبو الهول وقد بدأت ملامحه تتحرك ؛ وعيونه تتفتح ، وملامحه تعلوها الدهشة :
- وبيجيبوا الناس دول منين يا داكتور ؟
والحق أنى ماكنت أعرف .. فزعمت أن هناك متعهداً يورد للكلية ماتحتاجه من جثث ( قياسا على متعهد الضفادع فى اعدادى ) .
وكان الشيخ عبد الحميد فى هذه الأثناء قد قارب الإنتهاء من حديثه ، والناس قد طال استماعهم إلى وصفه الدقيق لما ينتظر العاصين حتى بلغت أرواحهم الحلقوم . فماكاد يستثنى من العذاب ويقول : ( إلا من خشى ربه .. ) حتى هاج الناس وماجوا يتنفسون الصعداء - وقد عثروا أخيراً على طاقة أمل - ويثبتون أنهم حقا وصدقا مؤمنون خاشعون ، ويقولون فى نفس واحد مبهور : ( لا إله إلا الله ) ..ورأيت الشيخ عبد الحميد يتطلع إليهم بوجهه السمين الذى كسته حبات العرق ، ويفرك كفيه مسروراً .. فحماسهم ذلك كان خير دليل على الأثر الخطير الذى أحدثه كلامه .

وتطلعت أنا الآخر إلى جمهورى .. كان كل شىء على مايرام .. وكدت أفرك كفى أنا الآخر .. لولا ابتسامة أبو عبيد الباردة التى لم تكن قد جفت بعد من فوق ملامحه ..

وأطلقت آخر سهم فى جعبتى ، ومضيت أحدثهم عن الملل الذى أصابنى من طول الأجازة وعن شوقى إلى تدريب يدى ومزاولة التشريح ، ولكى أقطع دابر الشك قلت : ( أننى حتى مستعد أن أدفع فى الجثة خمسة جنيهات .. إنما .. أنا فين والجثث فين ؟ .
وخرجت من المأتم يومها مرفوع الرأس .. حتى أبو عبيد قال لى وهو يودعنى :
- مع السلامة يابيه ..

ولم أراجع نفسى ولا فكرت بعد هذا فيما قلته ، ولا فى التخشب الرمى أو مقارع الحديد ذات الأسنان .. كانت فى نظرى أحاديث مآتم وجلسات لا أكثر ولا أقل .. تكون إذا قامت ، وتنفض معها .

ولكنى استيقظت ذات ليلة على نباح كثير يهدر أمام بيتنا حتى خلت أن كلاب جيراننا تطارد عزرائيل .. وسمعت بابنا يدق .. ولم يفزعنى ذلك .. فكثيراً ماكان يدق فى أية ساعة من ساعات الليل ويكون السبب مغص مفاجىء أو بول محتبس .
كان الدق يزعج أبى فقط ، ويجعله يلعن اليوم الذى أدخلنى فيه الطب .. فقد كان يخاف أن أخرج لرؤية مريض مرة فيتربص لى واحد فى الظلام ويقتلنى . أما لماذا يفكر أحد فى قتلى فذلك سؤال لم يخطر لأبى أبداً .
فتحت الباب ففوجئت بإنسان محنى يحمل فوق ظهره الزكيبة مملوءة لحافتها ويقول :
- مسيك بالخير يا داكتور ..
الصزت مألوف ، ولكن رغم الليل كان يجود بآخر أنفاسه وشعشعة الفجر قد أوشكت ، لم أستطع التعرف على صاحبه ..
- مين ؟
- آنى صالح ..
- أبو الهول ؟
- أيوه أبو الهول يا داكتور .. بقالى ساعة اخبط لما الكلاب كلت رجليه .. وسع شويه ..
وتراجعت إلى الوراء قليلا ؛ فاستدار وأنزل الزكيبة على الأرض ثم قال :
- الأمانة أهه ..
- أمانة ايه ؟!
كنت أسأله وأنا أنظر إلى وجهه ، وأحاول إدراك مالم يستطع قوله .. ولم أر على ضوء ( اللمبه السهارى ) إلا أن - أبو الهول - يبتسم ، وكانت أول مرة أراه يبتسم .. فأدركت أن الأمر أخطر مما توقعت ..

ونطق أبو الهول وقال أنه كان عائدا إلى الكفر بعد سهرته فى البلد فرأى جثة غريق طافية فى المصرف .. فقال : بس . وأخرجها من الماء ووضعها على الجسر .. ثم عاد جريا فى جرى إلى بيت أبو شندى ، وشحت منه زكيبه على ذمة الطحين ، ورجع إلى المصرف جريا فى جرى ، وعبّى الجثة ، وحملها ، وخرَّم من الذرة الصيفى حتى لا يراه أحد .. وتسلل إلى بيتنا بها ..
ووقفت أتابع كلامه ، وأنظر إلى طوله وعرضه وعيونه الوارمة وأشم الرائحة الفظيعة التى أدركت أنها تنبعث من الزكيبة ، وأنا مذهول مدهوش أكاد لا أعى مما يقول حرفا .. ووجدت نفسى أنفجر فيه ..
وانتظر إلى أن انتهيت وقال :
- جرى أيه يا داكتور .. أنت طلبك حدانا غالى قوى .. أحنا بدَّاك اليوم .. وان كان ع الخمسة جنيه آنى مش عايز خمسات .. اللى تحط أيدك فيه آنى قابله ..
ولم أعد أحتمل ، واندفعت آمره والغيظ يخنقنى أن يعيد الجثة كما كانت تماما ..
وصبر علىّ حتى جئت بكل ماعندى ، ثم بربش عينيه وقال :
- وزعلان قوى كده ليه يا داكتور .. بلاش نضرب فى العالى .. هات ياسيدى جنيه والعوض على الله ..
وانفجرت فيه مرة أخرى ..
-أنت اتهبلت .. أنت اتجننت .. انت جرى لعقلك .. فرفع يده فى مروغ بال وقال :
- ألاَّه يا اخواتى .. بلاش الجنيه راخر .. هات ياسيدى ريال خلينا ننفض .. عدنها دراع بس يا داكتور ..
وأخيراً جداً .. بعدما ارتفع صوتى ، وبدأ الغضب واضحا تماما فى ملامحى استطاع أبو الهول أن يفهم أنى لا أساوم ، وأن عليه أن يعيد الجثة إلى المصرف فى الحال ..
وهنا تجمدت ملامحه ، وعادت إلى جدها الذى لا ينفك ، وأغمض عينيه وقال :
- كده .. بقى تعملها فىّ يا داكتور .. همه الأفنديه كدابين يا اخواتى .. تحلف ع المصحف انك ماقلت الواحد بخمسة جنيه ... تحلف .. قلت والاّ ماقلتش ..
وثار بننا جدل طويل .. أنا أصر على أنى لا أذكر شيئاً ، وهو يعيد على مسامعى ماقلته كلمة كلمة ويعطى الأمارات والشواهد .. ولم أوفق فى اقناعه بإرجاعها إذ كنت أتعثر وأنا أقنعه فى الخجل الشديد الذى كان يملأ نفسى ، ولما لم أجد فائدة هددته بإبلاغ الأمر للعمدة .. وحينئذ أربدت ملامحه وبدأ كأنه سيثور ثورة لايعلم إلا الله مداها وقال :
- كلام ايه ده ياولاد .. بقى تعملها فىّ كده والآخر تبلغ .. طب ورحمة أبويا محمد أبو صيام مانى مرجعها واللى معاك اعمله .. وبلغ مطرح ماتبلغ .. أنت مش قلت الواحد بخمسة جنيه .. قلت والا ما قلتش .. بقى تعملها فىّ كده وتبلغ .. طب بلغ .. ورحمة أبويا محمد لاسيبهالك وماشى .. قلت والا ما قلتش ..
ويبدو أن صوتنا كان قد ارتفع حتى أقلق أبى .. فقد وجدته يبرز من باب حجرته ويقول :
- أيه جرى أيه ؟
وأسرعت إليه أرجوه ألا يتعب نفسه .. وأحاول إقناعه أن المسألة مغص لا أكثر ولا أقل ولكنى كنت متأخراً .. إذ قد لمح صالح واقفا بوجه لا يبشر بخير فقال :
- والواد ده عايز أيه .. دا الواد ده حرامى ( والظاهر ان الفلاحين كلهم حرامية عند أصحاب الأراضى ) .. دا بيسرق الكحل من العين وأبوه من قبله .. أيه اللى جابك دلوقت ياوله .. عايز أيه
كان أبى يقول هذا وهو يتجه إلى الباب ، وإلى صالح ، ولم استطع أن أتدخل فيما حدث بعد ذلك .. فقد تعثر أبى فى الزكيبة ، وكاد أن يسقط وتساءل غاضبا عم جاء بها ؛ وعم جاء بصالح ، وقال وهو يتحسسها ويحاول أن يخمن محتوياتها :
- أيه ده يا واد يابو الهول .. انت سارق بطيخ يابن الـ .. وجايبه هنا ليه ياوله .. والدكتور ماله .. دا مش بطيخ .. أف .. أيه ده يا خويا .. أعوذ بالله .. أعوذ بالله ..
وصرخ أبى صرخة عالية مفاجئة ، وكانت تلك أول مرة أراه يصرخ والفزع يملأ عينيه والرعب قد تملكه .. واندفعنا أنا وصالح نسنده حتى لا يتهاوى ، وسرت به وحدى إلى الفراش والصدمة قد أفقدته القدرة على السؤال والإستفسار أو حتى النطق ، ولكن لم يدم ذلك سوى لحظات .. استرجع نفسه تماما بعدها ، وجلس ينصت لى وأنا أحكى له ماكان من أول ما طقطق الحديث فى المأتم .. ينصت وهو يخبط كفا على كف ويقول : - مجرم .. حرامى ابن حرام سلْ ملْ
ولما عدت إلى أبو الهول وجدته جالسا مسندا ظهره إلى الحائط ورأسه مائل فى تأثر عميق .. وحين رآنى وقف وقال : - سلامته لفندى .. ياخبر أسود ومنيل ... ودى كانت شورة أيه السودة دى .. سلامته .
وهززت رأسى وأنا أعد الدش البارد الذى جهزته له .. ولكنه كفانى مؤونة الكلام فقد وجدته ينحنى على الزكيبة ويمتحن متانة رباطها ويقول : - والنبى يا داكتور آنى عمرى ماحلفت برحمة أبويا محمد باطل ؛ إنما عشان خاطر والدك .. يا خبر أسود يا ولاد .. دا الواحد خزيان من روحه .. ياشيخ دانى انبليت م الكسفه .. اللهم اخزيك يا شيطان . ماكنت مروح فى حالك ياوله مالك ومال خشب الرمة والزفت ده .. إنما تقول ايه .. يا خبر أسود ومنيل .. دانى كنت بقول لروحى زمان الداكتور حياخدك بالحضن ياوله .. والختمة الشريفة عمرى ماحلفت بحياة أبويا محمد باطل .
وكان قد أوقف الزكيبة فالتفت إلىّ قائلا :
- والنبى يا داكتور ولا صغرة تسندها سنده صغيرة .. بس أوعى هدومك .. هه .. ياقوة الله ..
ورفعها بقوة جبارة فوق كاهله ، وتمتمت وأنا لا أكاد أستطيع الكلام :
-معلهش يا صالح .. تتعوض .. معلهش ..
فقال وهو يدير الزكيبة وراءه ويتجه إلى الباب :
- واللا عليه .. آهى ان طلعت والا نزلت زكيبه .. هيه يعنى والا المقمعه اللى بيقول عليها سيدنا الواعظ .. آهى ان طلعت والا نزلت زكيبه .. حتكون أكثر من اللى بنشيله .. ياشيخ قول يارب .

وكان قد خرج من الباب ، وكاد يختفى فى الظلام حين فوجئت به يتوقف .. ثم يستدير ليواجهنى ويقول من تحت الزكيبة :
- بس افتكر كويس يا داكتور ... بذمتك ياشيخ وديانتك والأمانة عليك .. قلت والا ماقلتش ؟

-----------------------------------------------------

الكاتب : مصطفي يحيي ، متقمصًا أسلوب د. أحمد خالد توفيق
القصة : عنه نتحدث ، لاريب انكم تعرفون .
-----------------------------------------------------

اسمه ( أبو الهول ).
هذا دليل كافي يعطيني الحق في شنقه .,. لكن ...
أنتم تعرفون قلبي الرقيق ، لهذا قررتُ أن أسامحه
* * * * *
قال بأنه لم يحلف برحمة أبيه الحاج محمد أبوصيام باطل أبدًا ، والله لم يحلف برحمة أبيه الحاج محمد أبو صيام باطل أبدًا .
* * * * *
انظر يا صديقي ..
هناك أشياء لا تهمني في الواقع ، وهناك أشياء لا تهمك أنت أيًا كنت .
لكن (صالح ) كانت له مزية فريدة فعلاً ، هي أنه غبي .
غبي جدًا ..
ربما أغبى شيء تراه في حياتك ..
الأغبياء في كل مكان .. هذا حقٌ .. انظر في مرآتك ولسوف يطالع واحدٌ ، شاهد مسلسلات الساعة السابعة ، ولسوف تتأكد أن العالم يعج بالأغبياء حقًا .
لكن ( صالح ) كان يختلف عن الأخرين ..
إن غباءه فريدًا من نوعه ، فريدًا إلي درجة تثير الغيظ ..
فهو لا يريد أن يفهم المشكلة ،
قل له ما تشاء ، تبسط ، أو اصرخ ، أو حاول توضيح الأمر له ، فلن تلقي سوى نظرته المندهشة من هذا العالم ، ومن هؤلاء المتعلمين ، الذين لن يكفوا عن اللعب بعقول أمثاله
***
أنت قلت يا ( داكطور )
***
تعال الآن وحاول اقناعه بحقيقة الأمر ، لو أردت رأيي ، لنصحتك أن تركله في مؤخرته .
هذا هو الحل الأسلم
ربما الأمثل كذلك
* * * * *
في هذه الأثناء كنتُ قد تخرجتُ في كلية الطب .
أعتقد هذا كان في أواخر الستينات، ربما العام 1968 تحديدًا .
ولكلية الطب - آنذاك - مزية مهمة جدًا في قريتي ، هي أنها ترفعك فجأة إلي مصاف كبار القرية ومثقفيها .. هكذا كنتُ أسير كالطاووس ، بينما الفتايات والسيدات الصغيرات ، يتهامسن ، ويخفين ضحكاتهن .. ويترامين حولي عن الجانبين .
متى بدأت معرفتي بـ( أبي الهول ) ؟
ربما كان هذا في إحدي المآتم التي اضطررتُ لحضورها ، أثناء زيارتي للقرية ، ربما كانت وفاة ( الحاج سعد ) ،عم الأستاذ ( محفوظ ) ، قريب (ابراهيم حسين ) صاحب عزبة التولاكلي ، ربما قضيت الوقت آنذاك في الحديث عن الجثث ، والمشرحة ، وقد تقطعت انفاس القلة التي تتابعني ، ربما انهيت مجلسي - في هذه المرّة - متحسرًا علي أيام التشريح ، وبقر بطون الجثث - إن حماس الشباب هذا - ربما قلتُ أني أتمني أن تعود هذه الأيام الرائعة ، شجية الذكري ، ربما عرضتُ أن أشتري الجثة ولو بخمسة جنيهات كاملة .
لاحظ أننا نتحدث عن أواخر الستينات ، حيث كان مبلغ ( خمس جنيهات ) ثروة لا يستهان بها ، ربما قمتُ من مجلسي وقتها ، وقد تركتُ خلفي الأثر الذي أريده في نفوس الـ ( نخالة) ، من تبجيل لي ولعلمي .
ربما حدث كل هذا ، لكني في الحقيقة لا أذكر .. فما أكثر هذه الأحاديث والمواقف ، في قريتي!!
نسيت كل شيء عن هذا اليوم ، لكن هناك من لم ينس !
كان هناك من يتابعني ، بعينين متسعتين ، وأنفاس تكاد تحتبس ، هناك من ظل هذا الحديث ، يرن في أذنيه كأساطير الموت .
*****
بالتأكيد لن تكون سعيدًا ، حينما تدق الشرطة بابي ، بحثًا عن جثّة .
*****
كان ( أبو الهول ) من هذه النوعية العتيدة ( كما يقول أبو القاسم الشابي ) من الفلاحين النخّالة .
في حجم باب الحجرة التي تجلس فيها الآن ، لو كانت علي الطراز القديم ، وليس الطراز الحديث حيث يصير باب الحجرة في حجم شباك حجرتي ، هذا عصر يتضائل فيه كل شيء ، بينما يتصاعد نجم الحمقى إلي الجوزاء .
كان وجه ( أبو الهول ) ترابي ، تشققت جوانبه ، ورسمت الحياة علي وجهه سمات البساطة والسذاجة ، وكل الجدية ، برغم انني لا أعرف كيف تجتمع هذه المعاني ،لا يتكلم أبدًا ، لا يضحك ، أو يعبس ، أو يتضايق ، أو ينفعل ، عيناه مغمضتان ، فكأنما هو ينظر من خلال جفنيه ، هذا مستحيل في حد علمي ، لا بد أنه له وسيله أخري للنظر ، تختلف عنا حتمًا !
كان هذا ( أبا الهــــول) ، الإسم الذي أطلقته عليه القرية ، والذي صار لقبه ، لم يحزنه ، لم يفرحه ، لم يغضبه ، إن أبا الهول خال من المشاعر ، لو كنت لاحظت هذا !
* * * * *
هو الآن عائد من الكفر ، كانت سهره رائعة حقًا ، خاصة مع الولد ( جُعليصة ) ، الذي يحول الجلسة إلي سيرك ، سيرك جميل محبب .
كان يتمني ان تستمر السهرة للأبد لكن العمل لا يرحم أحدًا .
هواء الليل منعش فعلا ، يأتي من ناحية الترعة ، محملاً بهذا الخليط العبقري الذي لاتعرف هل هو الطمي ، أم رائحة ( ورد النيل ) الذي يغفو فوق جدران الترعة في دعة ، دعك من صوت ( صرصار الليل )الذي يعطيه إيحاءًا بالنعاس ، ينظر ناحية الجسر الخشبي ، فلا يرى غير الظلام ، يحثّ خطاه كي يظفر بلحظات النوم القليلة ، لابد أن يكون عند ( المستعمِـل ) قبل السابعة صباحًا ، وإلا لسوف يخرب بيته .
ولكن .....
هذه الرائحة
شن شن شن ..
رائحة عفنة قليلاً ، شن شن شن ..
منذ متى اعتاد أن يتوقف ، أو يشعر أصلاً بمثل هذه الروائح ، هذا ترف لا يملكه ، ولا يلتفت إليه .
شن شن شن
دقق نظره ناحية الترعة ، واشرأب بعنقه ، ليراه ، رجل ميت ، غارق ، يطفو فوق ( ورد النيل ).
وتقفت مشاعره كلها عند لحظة واحدة . الداكتور ..!
هذه ثروة تساوي خمسة جنيهات ، الـ( داكطور ) قال أنها تساوي خمس جنيهات ، ( الداكطور ) يحتاج إلي جثّة ، وهو قال أنها تساوي خمس جنيهات !
**
آه يا أحمق ، هو يحتاج إلي جثّة من تلك التي تعج بها هذه القصة ، والتي تصلح أن تسبح في الـ( فورمالين ) ، وليس جثة من تلك التي يلتفّ حولها أطباء المعمل الجنائي !
لكنك أحمق ، أحمق وغبي ، أحمق وغبي وجاهل !
ولا تعرف كل هذا !
لو كنت تعرف لما توقفت أمامها ، لو كنت تعرف ، لما انطلقت تجري إلي بيت ( أبو شندي ) كي تستلف منه زكيبة قمح فارغة ، لو كنت تعرف لما عدتَ ركضـًا ، كأن الجحيم يطاردك ، لو كنت تعرف ، لما عبئت الجثة في الزكيبة ، وانطلقت بها عبر حقل الذُرة الصيفي ، إلي منزله ، لو كنت تعرف لما كنت واقفًا هنا ، بحملك الرهيـــب ، تركل باب البيت ، بينما الكلاب تكاد تنهشك وتحولك إلي لحم مفروم .
صدقني ، لو كنت تعرف ، لأدركت بالفعل أنك أحمق ، أحمق وغبي ، أحمق وغبي وجاهل !!
**
طك .. طراخ .. طراااك
جثة معبئة في زكيبة !
لسوف يأخذه الـ( داكطور ) بالأحضان ، ويغرقه بالقبلات الحارة !
جثة معبئة في زكيبة !
طك .. طراخ .. طراااك
وخمس جنيهات توضع في جيبه ، تساوي عمل شهرين ، ربما ثلاثة كذلك !
الـ(داكطور ) يعرف ما يقوله ، هذه الأشياء مهمة لأمثاله ، بني آدم ميت !
يا ولااااااااد !! ، صحيح ، ما أرخص من بني آدم !
يدق ..
طك .. طراخ .. طراااك
... الباب ، حاملاً حمله الثمين ، يدق ..
طك .. طراخ .. طراااك
الباب ، تنبح الكلاب ، يزيد من الدق ...
طك .. طراخ .. طراااك
.... فوق الباب، متي يستيقظ الموتي بالداخل ؟!!
طك .. طراخ .. طراااك
أخيرًا ، يسمع صوت خطوات تهرع عبر درج السلم ، يزيد من الــ..
طك .. طراخ .. طراااك
جثة معبئة في زكيبة !
يُفتح الباب ، و ...
- " وسّع يا داكطور !!
تتسع ابتسامته الظافرة :
- " أحضرت لك الأمانة التي تتمناها !
ويستمر الصدي في أذنيه .. طك .. طراخ .. طراااك
لسوف يأخذك الـ(داكطور ) بالأحضان !
******
أعترف أنني أحتاج إلي قنبلة هيدروجينة ، تُفجر جوار أذني كي أستيقظ !
لكن في هذه الليلة ، لم أكن قد نمت بعد !
لماذا ؟!
لا ريب أنه التفكير ، التفكير والنوم لا يجتمعان أبدًا !
هذه حقيقة فعلا ، لهذا كان ( هتلر ) ،يعاني الارق ، ويخشي النوم من الكوابيس التي لا ترحم ، كان كابوسة الدائم أن تدخل أمريكا الحرب ، لو دخلت أمريكا الحرب ، لسوف تكون مجزرة ، لو تمكن ( ونستون تشرشل) ، من سحب أقدام أمريكا إلي الحرب ، لسوف يتحول العالم إلي ثمرة طماطم مطهوة جيدًا ،هكذا كان ( هتلر ) يقضي أسود لياليه ، متمنيًا ألا تدخل أمريكا الحرب .
لا أقول أنني كنت سفاحًا ، كالفوهرر ، لكن أعتقد انه لو كان موجودًا ، لأكد لك شيئًا وحيدًا ، هو أن النوم والتفكير لا يجتمعان أبدًا .
فيم كنتُ أفكر ..؟!!
همم م !!
ألا ترى أنك قد تطاولت قليلاً علي خصوصياتي ؟؟
كنت أفكر وكفي ..!
إن هذا الفضول غير المحمود الذي قتل القط ، تُري كم قطًا في هذه الجلسة ..؟
ماذا ؟ هممممم
جميعكم قطط ؟؟
هذا لا يبرر سؤالك يا صغيري ، منذ الأن تعلم ألا تقاطعني ، رجاءً
ماذا كنتُ أقول ، لحظة حتي أراجع السطور السابقة !
أها ، كنا نتحدث عن الفضول الذي قتل القط .. إن الـ ... هه ؟ ماذا أيضًا ؟ هه ؟ كنت اتحدث عن .... ماذا ؟
لحظة ..
ماهذا النباح ؟
صوت النباح ينطلق بالخارج ، ألا تسمعوه ؟
سحقًا ، علي حواس الشباب التي أصابها العجز ..!
أحقًا لا تسمعون ؟
حسنًا ، سأري الأمر وحدي إذن !
هذا النباح الطويل ، الكثير ، كأن بلزعبول يلهو بالخارج ، والكلاب حوله تصنع له خلفية مناسبة !
دقات الباب هذه !!
الباب لا يدق هكذا غالبًا ، كأن إعصارًا يزأر بالخارج ، ويطلب الإذن بالدخول .
لا ريب أن أبي قد وثب مترين في الهواء ، وانطلق يلعن ذلك اليوم الذي أدخلني فيه الطب ، كي يقتلني أحدهم في هذه الزيارات الليلية المريبة !
نم يا أبي ، أنا اعتدتُ هذا منذ زمن ، لا تقلق ، أنا سأعني بالقادمين .
لكنه كان قادمًا وحيدًا ..!
يحمل حملاً ثقيلاً فوق أكتافه ، وكان نور القمر يأتي من خلفه تماماً ، فطمس ملامح وجه القادم .
كان متذمرًا وسألني :
- وسّع يا ( داكطور )

وألقي حمله الثقيل تحت أقدامي ، لا أعتقد ان هذا مريض ، قد أحضره بهذه الطريقة الغريبة ، وتبينت ملامحه بصعوبة ، وهتفت :
-" من أبو الهول ؟؟ "
-" أة .. أبو الهول ، أبو الهول أحضر الأمانة التي تتمناها يا داكطور "
نظرت إلي الزكيبة ، ثم نظرت له ، كان يبتسم ، فتوقعت شرًا .
حين يبتسم أبو الهول .. فلا بد أن تتوقع كارثة ..
ثمة أمور خوارقية ستحدث ..
وعدتُ أسأله مستغربًا :
- " أمانة ؟ "
قال كأنه ( محمد الفاتح ) وقد فتح ( رومانيا ) ، هل كانت رومانيا حقًا ؟ :
- " آة .. الأمانة ، الأمانة يا ( داكطور "(
ثم انطلق يحكي لي ما قرأته أنت منذ قليل ، فرجاءً لا تقاطعني ، دعني أتابع كلامه المجنون هذا ، هذه أبسط حقوق المشاركة .
كان مجنونًا بالفعل ، لم أتوقع أن يوجد اغبياء لهذه الدرجة ، حمقى وأغبياء ، وهذه الكارثة التي أتي بها إلي داري .. صعد الدم إلي رأسي ، وانطلقتُ أصرخ فيه صراخًا هستيريَا ، لم أعرف قدرتي علي إطلاقه من قبل .
نظر لي مستغربًا ، ثم قال :
- " اللهم طوّلك يا روح ، ماذا جري يا ( داكطور ) ، أليس هذا طلبك ؟ "
-" طلب من يا أحمق ، طلب من يا جاهل ، طلب من يا .... "
تضايق كثيرًا ، وإن حاول أن يقاطعني بهدوء :
-" الله .. الله .. من غير غلط يا ( داكطور ) ، الله لا يسيئك ، كان جري ماذا ؟ "
حاولت أن أهدأ ، حاولت أن افهمه ، الكارثة التي أتي بها إلي بيتي ، بالتأكيد لن تكون سعيدًا ، حينما تدق الشرطة بابي ، بحثًا عن جثّة .
صرختُ أخيرًا :
- " أنا لا أريد جثثًا ، عد بها حيث أتيت ، هلم ، اخرج من بيتي "
تجمدت ملامحه ، وقد تحول إلي تمثال ، يوشك علي التحول إلي إعصار :
-" ماهذا الكلام ، أنا جزائي أني صدقتك ، تكذب عليا يا (داكطور )، تكذب على ( أبو الهول ) ؟ ورحمة أبويا الحاج محمد أبو صيام لن أرجع بها إلي الترعة ، واعمل ما تعمله ، أنت قلت عايز جثة ، عايز جثة بخمس جنيهات .! "
* * * * *
جثة معبأة في زكيبة !!
لسوف يأخذك الـ(داكطور ) بالأحضان .
* * * * *
( أبو الهول ) لم يتوقف عن الصراخ لحظة ..
( أبو الهول ) الهادئ ، الذي لا يغضب أحدًا برغم قوته المفرطة ، تحول إلى إعصار كلام ، والزبد يسيل من شدقيه ، نظرت له متوترًا ، لو فقد هذا الثور الهائج أعصابه ، فلسوف يتحول البيت إلي سيرك ، لن يوقفه أحد عن ابتلاعي .
هنا استيقظ والدي، لو لم يفعل مع كل هذا لشككتُ في قواه السمعية .
كان نازلاً يتعثر في خطاه ، يمسك الـ ( ترابزين ) ، وينظر تجاهنا :
- " ماذا جري يا أولاد ؟ "
اقترب أكثر فلمح ( صالح ) ، صرخ فيه ، متهمه بأقذع الألفاظ ، رويدًا يا أبي ، نحن لا نتعامل مع الثيران الهائجة بهذا المنطق .
لكن ( أبا الهول ) ، لم يفهم حرفًا ، نظر لي باستغراب ، كان أبي قد اقترب كثيرًا ، فلمح الزكيبة الملقاة ، والصراع الدائر حولها ، نظر لها باستغراب ، حين أوشك علي تحسسها ، لفحت أنفه الرائحة الرهيبة المنبعثة منها ، كانت الصدمة رهيبة حينما اشرأب بعنقه ،إلى داخل الزكيبة ليري الجسد المسجي ، الذي رحل للعوالم الأخري ، ولم يعد ينتمي لهذا الكون .
ألتقطتُ جسد أبي الهزيل ، بين ذراعيّ ، حين أوشك علي السقوط ، أسندته حتي صعد إلي حجرته ، حاولت تهدئته ، أخبرته أني طلبت من (صالح ) بعض الطلبات ، لكنه لم يفهم جيدًا ، أخبرته أن الولد سوف يرحل الأن ، وحالاً.
حين نزلت إلي (صالح ) مجددًا ، كان (مقرفصًا ) بجوار الجدار ، أمام الزكيبة ، ساهمًا ، وقد رجع إلي حالته المعتادة ، السكون، الهدوء ،النظرة المغمضة ، التوهان في العالم ، حين رآني ، نظر لي ، وهب واقفًا :
-" هو الأفندي ماله ؟ "
قلت له أنه قلبه المتعب الرهق ، قلت له أنه لم يتحمل رؤية الجثة ، فقال :
-"لا إله 'الا الله ، والله ما أقصد ما حدث "
وانحني يحمل زكيبته اللعينة ، قال بأنه لم يحلف برحمة أبيه الحاج محمد باطل إبدًا ، قال بأن الحاج محمد أبوصيام ، عزيز الذكري عليه ، وأنه يحبه ، وأنه لم يحلف برحمته باطل أبدًا ، قال بأنه آسف علي ما حدث ، قال بأنه لم يدخل بيوت الناس كي يثير رعبها .
وحين ساعدته لرفع الجثة ، وفتحت له الباب ، كان ضوء القمر قد ارتفع كثيرًا إلي السماء ، بينما التفت هو إليّ ، وقال بأنه لم يظن الأفندية المتعلمين ، بهذا الكذب .

* * * * *

كان القمر وسط السماء ، يبتسم ، ويمرح عبر السحب ، وكان (أبو الهول ) يسير بطيء الخطا ، وقد استطال ظله عبر الأرض ، وراح يمرح بدوره عبر الحصى ، ( أبو الهول ) لم يعرف ما كان يدور خلفه ، كانت الأرواح غاضبة ، والسماء ممتلئة الغيوم ، وثمة خيال أخر ، يتابعه في الخفاء ، حفيف الأشجار كان له وقع غريب علي سمعه ، وبرغم سرحانه التفت إليه أكثر من مرة ، لكنه حين اقترب من الترعة ليلقي جثته ، ترقرق ماء الترعة .
في اليوم التالي ، وحينما شاهده الفلاحون ، أدركوا أن ثمة شيء ما مختلف ، ماذا حدث ؟
وماذا قابل أبو الهول في هذه الليلة ؟
للأسف كل هذه الأشياء خارج نطاق عملنا هنا ، في ( ساحر القلم ) .

السبت، مايو 17، 2008

حجب وسماح ..

بمناسبة أتمنى أن تتم على خير ..
تم فتح مدونة ( حياة جديدة ) مرةً أخرى لجميع الزوار ..
بعد حجب جميع الأعمال الشعرية ( الفصحى ) بالمدونة مؤقتًا .
لحين موافاتكم بخيرٍ ما ، سيتم الإعلان عنه قريبًا بإذن الله .

الحجب يتم لفترة محدودة .. وكذلك الفتح والسماح لجميع الزوّار ..
فبادر بحجز مقعدك .
وعذرًا على هذه الأحداث والتغيرات الدامية .


الأربعاء، أبريل 23، 2008