الاثنين، يونيو 08، 2009

التى ترحل هناك في ( كلاي كافية )


يدعوكم " كلاي كافية " لحضور ندوة وحفلة توقيع ديوان:
( التى ترحل هناك )

وذلك الأربعاء الموافق 24 يونيو 2009 .
( 24 الشهر ده ، يعني كمان 16 يوم )
في تمام الثامنة مساءً
الدعوة عامة .
برجاء حضوركم




عنوان كافية كلاي : أمام محطة ترام سبورتنج الصغرى ، الإسكندر
ية.

السبت، مايو 02، 2009

" التى ترحل هناكـ " حاليًا بالمكتبات .



الديوان صدر فعلا يوم 30/4 /2009 .. إلا أننى أجلت أن أقول حتى أمسك الديوان بيدي .. وهو ما حدث اليوم .. سافرتُ القاهرة .. وكان يومًا عجيبًا جدًا .. بداية نهاية الربيع .. والاستعداد لدخول الصيف .. ثم تمطر السماء .. وفي القاهرة كذلك.
الجو كان حارًا فعلا .. والسماء تمطر .. سبحان الله .. لم أر مثل هذا اليوم أبدًا . وقد اعتبرتها بشرة خير على رأي جدتى
ذهبتُ إلى دار النشر .. واستلمت النسخ الخاصة بي . ولم أتخيل جمال هذه اللحظة في أكثر أحلامى تفاؤلاً .
تذكرتً تعبيرات مثل : ده ابنى ، ده حتة منى ، وكنتُ أعتبرها مبالغًا فيها بعض الشيء . لكن هذا أقل وصف يمكن وصفه بالفعل .. أن ترى حلمًا من أحلامك يتحقق وتمسكه بيديك . لم يكن مجرد ابن .. بل كان أنا .. كان حياةً كاملة عشتها .. وحملت من أحلامى ، وأحزانى ، وذكرياتى .
شعور غريب فعلا . وأنا أرى كل أشعاري في ديوان واحد .. بين دفتى كتاب واحد . يعبر - باستهبال مطلق - عنى أنا .
والآن .. أماكن توزيع الديوان بالقاهرة :

مكتبة عمر بوك ستور
15 ش طلعت حرب – أعلى مطعم فلفله

مكتبة آفاق
97 ش القصر العيني

مكتبة حنين
10 ش الديوان ، جاردن سيتى ( أمام مكتبة آفاق .. اللي فوق دي

دار الكتاب العراقي
أمام مقهى ريش - ش طلعت حرب

دار حورس

مكتبة الأهرام
بمحطة قطار القاهرة ، بجوار منافذ بيع تذاكر الدرجة الأولى والثانية مكيفة.


وقريبًا جدًا - بمشيئة الله تعالي - بمكتبات الاسكندرية وباقي المحافظات .. وسنوافيكم بالأماكن تحديدًا . إن شاء الله .

كل تحياتى وتقديري ..

تحديث :

أماكن توزيع الديوان في الاسكندرية :

مكتبة الرملي : ميدان محطة الرمل يجوار سنترال محطة الرمل .

مكتبة سونة : ميدان محطة الرمل ، بجوار فيشار جوجو.

مكتبة ميدو - محطة الترام ، أمام مول سان ستيفانو.

مكتبة معرض الكتاب الاسلامى : ش صفية زغلول ، أمام ماكندونالدز

الثلاثاء، أبريل 28، 2009

حقوق الملكية الفكرية

في الأحد الموافق السادس والعشرين من ابريل 2009 ، كان العالم يحتفل باليوم العالمي للابتكار الأخضر ، الذي وافق يوم الاحتفال بحقوق الملكية الفكرية.
وفي نفس اليوم ، وفي برنامج ( شاي الخامسة ) على قناة النيل الثقافية ، تم استضافتى ، مع صديقي الغالي / وليد فكري ، الكاتب والروائي والمحرر بموقع بص و طل. ومع صديقي الغالي / محمد ابراهيم صقر ، الروائي والصحفي بمجلة القمة . ومع الفنان محمد الحديدي المصور الفوتوغرافي.
وربما يرى البعض أن موضوع الملكية الفكرية ليس بالأهمية الكافية التى تشغل هموم الناس . والحقيقة أن صلاح أي مجتمع إنسانى لا يكون إلا بالحفاظ على الحقوق والقيام بالواجبات.
إن الممارسات الإبداعية من أهم وأقدس الممارسات الانسانية على مدار التاريخ ، وعن طريقها تتقدم الدول ، وتُبنى الحضارات ، وتتبلور الثقافات. لهذا كان على المجتمع أن يقدر هذه الابداعات ويحميها من السرقة ، ويوفر لمبتكريها البيئة المناسبة و الخلّاقة التى تساعدهم على خلق الابداع وتطويره .خاصة مع امكانية استثمار هذه الحقوق في النمو الاقتصادي والرفاء الاجتماعي - كما بدأت تتجه سورية - عن طريق تحويل هذه الافكار الابداعية إلى قيم اقتصادية فاعلة في المجتمع.
ولكن دعونا نتفق أن تطبيق هذه الأفكار يحتاج إلى ظروف مجتمعية مناسبة حتى يكمن تطبيقها ، مثل معدل النمو الاقتصادي ، ومتوسط دخل الفرد في المجتمع . فلو كان بإمكاننا تقسيم هذه الحقوق ، لتكلمنا عن حق المؤلف في أن ينسب عمله إليه هو نفسه ، وحق الناشر في العائد المادي ، وحق المستهلك في أن يصله هذا الابداع بسعر في متناول يده .
السرقات الأدبية على الانترنت ، التى تقدم كل الابداعات مجانًا، تساهم حقًا - كما قال استاذي احمد خالد توفيق في مقال له - في تثقيف المجتمع ، وتوفر قناة مناسبة لتدفق المعلومات، بدونها سيغرق الكثير في الظلام ، والبعد عن الحياة الأدبية والثقافية.
وفي نفس الوقت لا يمكن أن نعتبر هذا سببًا لسرقة المبدع أو الناشر . ولكنه يدفعنا للتفكير في حل لكلا المشكلتين : مشكلة حماية حقوق الملكية الفكرية ، ومشكلة غياب الأفراد عن الحياة الثقافية والأدبية والعلمية .
اعتقد أن البداية بمحاولة توفير هذا الابداع بسعر في متناول المستهللك العادي ، حتى يمكننا في النهاية أن نعاقب السارق أو القرصان بضمير مستريح.

الأربعاء، أبريل 22، 2009

فريق زمان ..


من أجمل الأخبار التى سمعتها خلال الفترة الأخيرة .
الحفل الأول لفريق " زمان " يوم الجمعه 24 أبريل - الساعة السابعة مساءًا على مسرح الجراج بمركز الجزويت الثقافي: 298 ش بورسعيد - كليوباترا بجوار ستوديو فرح - الإسكندرية.
الفريق مكون من شقيقين لصديقي العزيز ، عمرو عز الدين ، وصديق ثالث لهما .
بانتظار الجميع هناك إن شاء الله .
**

الجمعة، أبريل 17، 2009

عن الديوان ..


كفان ..
ضارعان ..
إلى السحاب .
يتهدل ..
شعرها الذهبى
فوق التراب ..
ملقاة
على أطراف الغاب ..
وتبتسم
إذا أشرت ساهمًا
إلى السراب
***

نقلا عن دار هفن للترجمة والنشر والبرمجياتhttp://haveneg.blogspot.com/2009/04/blog-post_2734.html

***

جروب الديوان على الفيس بوك

http://www.facebook.com/group.php?gid=100933962264&ref=mf

الأربعاء، أبريل 08، 2009

التى ترحل هناكـ


السبت، مارس 14، 2009

الوقوف فوق تبة الجبل

أغمض عيني في شيءٍ من الحزن .
الحزن يجعل الروح نبيلا .. حالمًا .. رائقًا ..
الحزن يجعلنى متفلسفًا هذه الفلسفة الخرقاء التى لا يعرفها سواي .. ولا يقتنع بها غيري .
أغمضُ عيني في هدوء ..
وأرانى هناك فوق قمة الجبل البعيد عند أطراف الغابة ..
لا أعرف . . هل أنا سعيدٌ بوصولي لأعالي الحياة ؟
أم أننى حزينٌ أستعد لإلقاء نفسي من علٍ ؟
الصورة تحمل ألوانًا رائعة .. صفرة الرمال الممتزجة بالجبال الرمادية على خلفيه الغابة المتألقة بألوانٍ شتى .. والسحب البيضاء التى امتزج بعضها بأرجوانية شاحبة ، والبحر الهادئ الملقى في سفح الجبل كقدرٍ لا مفر منه.
لا شمس هنالك.
فقط أقف وحدي على قمة الجبل تتلاعب بي الرياح .. وأكادُ أتهاوي .
أنا لا أتغير .. وهذه هي لعنتى الدائمة.
أحيا أحيانًا لحظاتً خرقاءً أحاول الخروج بها من اعتياديتى ، لكننى سرعان ما أعودُ كما كنتُ .
لقد مر الزمن من حولي ستة وعشرون دورة كاملة . و لم أتبدل ..
أعيش بأحلامٍ ولجت خيالي منذ أعوامٍ عدة . لم تغيرها الحياة ، ولا الخطوب ، ولا كل الآلام التى اقترفتها كذنبٍ لا غفران له.
كل أحزانى ثبتتنى أكثر على أحلامى الصغيرة لهذا الطفل الصغير الذي عاهد نفسه على أن يعيش باقي حياته كطفلٍ . ولم يعد في امكانه الحنث بوعده أبدًا.
تناثرت السنين والأيامُ والذكريات والاحلام في فضاءٍ واسعٍ قابل لاحتواء كل شيءٍ .
اختفت ..
لم يعد منها شيء ..
لا شيء غير الشعور العميق بالحزن ..
الحزن الذي يجعل الروح شفافًا . فيكاد لا يعبأ بشيء ، ويكادُ لا يُرى.
لم يعد سوى هذا الخيال الموشك على الانتحار ، أو الموشك على الرقص سعادً وفرحة.
وترن في خلفيه الصورة صوتُ منير وهو يقول بمنتهى الإحساس : أنا من أهوى .. ومن أهوى أنا .
لكنه لا يكمل .
فقط كأنه شريطٌ تالفٌ .. تتكرر الجملة مرارًا .
ولا أعرف كيف أوقفها .. لأننى لستُ مقتنعًا بها .
ربما اقتنع باستكمالها ، وبالمعنى الذي تقوله .
لكن الوقوف عند هذا الحد . مثله مثل الوقوف فوق تبة الجبل .
وحيدًا .. حولي كل ما أحلم به من صور الطبيعة التى أعشقها .
لكننى لا أعرف ُ أبدًا . هل أنا موشكٌ على الرقص مع الرياح ، أم موشكٌ على القفز إلى حضن البحر المسترخى في دعةٍ أسفل المنحدر.

***

اليوم أكمل عامي السادس والعشرين . للأسف

الأربعاء، مارس 11، 2009

خارج معاييرهم !

تتشظى انتماءاتٌ ولّدها الخوفُ المطلقُ من إهاباتٍ تكتنف الساحات و تخنق الأنوار و تفرد سلطانها المهيبَ حول أعناقِ الأطفال المرتعشة من بردٍ يطلقه هبوب العواصف من حلوقٍ تصرخ فتتمدد معها أسوار الثلوج حول نفوسٍ غضةٍ لم يزل فيها دفئها الأولىّ الذي خرجت به من الرحم الموهوم بأحلامٍ عاشت في خيالٍ عاشقٍ ظل عمره يأبى الكف عن الرومانسية التى جلبها من عالمه الأولىّ الذي فقدته الأرواح المنسية عبر الأزمنةٍ التائهه.
البوتقةُ الصغيرةُ تحترق .
فيصعد الروح الرفيفُ إلى أعالى الوجودِ باحثًا عن النفس التى تاهت منه في استيقاظه المترع بالألم من غفوته البكر التى لم يكن يعرف العالم قبلها إلا عن طريق حكايات الجدّة ، التى ماتت ، في ليالٍ لم تختلف كثيرًا عن هذه الليلة التى أوهنها غياب القمر ، ولكن أثرها روحٌ يصعد في وجودها الشاحب ، فيتألق وتتألق .
تتوالد في إهابه الجديد انتماءاتُ جديدة فيرفضها بدورها ويكمل دورته التى لا تنتهي في بحثه شيءٍ ما لا يعرفه تحديدًا وأتعبه التعذب بالاشتياقِ المجنون إليه وفقد السبل الواصلة معه آمال الطفولةِ المعلقةِ بأحبالٍ واهنةٍ في ذاكرةٍ أضناه المكوث بين رحيها المفعم برحيق الجلد والتجلد.
تتشظى انتماءاتٌ غير مرضيةٍ أطلقها وجودٌ زاعقٌ غير راضٍ عن شيءٍ ، في بحث محمومٍ ، يتعثر خلاله في أفلاكٍ لم يعرف عنها إلا الصدماتِ المتتاليةِ من وجودٍ صاخبٍ يزأر من حوله بتوحشٍ طامعًا في هذا الطفل الصغير الواهن الذي أتاه ، بحلمٍ مخطوطٌ بأوراقٍ ملونةٍ صغيرة تحملُ خيالاتً واهنة .
تتمزقُ الصدفةُ التى لم يكتمل تحورها.
يندثر الإهاب في فراغاتٍ لم تعد تميز ملامحه ولا تضاريسه الطفلةِ ، و يترك وراءه أسيً من الفراق الأولىّ الدامع ، فتنطلق الروح الغضة باندفاعٍ أكثرٍ حملت حزن الفراق وهدوء الوعى الساذج .
انطلاقٌ ..
تكسّر ..
نهضة ..
احتضار ..
إنها المرحلةُ الأخيرة من الوعى التام بمعنى الحياة . في لحظة الفراق النهائية ، والرحيل بعد رحلةٍ داميةٍ اشرأبت عبرها ألوانُ شتى من الأحلام ، والآلام ، وانبثاقاتٌ متتالية مجهضة من وجودٍ لم يتعلم عبر ارتحالاته الهوجاء سوى الإصرار على حلمٍ ، لم يتأكد له أبدًا سذاجته ، فمكث به بعيدًا خارج معايير الحياة التى لم تعرفه ولم يعرفها على الإطلاق.
يمكن تخيل الأمر بأكثرِ من صورة .
مثلاً:
انفجارٌ .. يتلاشي ، لينبثق من وسطه انفجارٌ ، أكثر تركيزًا وسطوعًا .. فيتشظى ، ويأتى من عمقه انفجارٌ ثالثٌ ، أشد وهجًا .
الانفجار الأخير هو الذي يعمى الأبصار ، فلا يراه أحدٌ ليحكم على مدى نيرانه الباهرة ، أو خفوته الشاحب.
هو الانفجار الذي لا يُرى ، فلا أحد يملك القدرة على تفسيره أو وصفه . لأن أحدًا لا يدرك وجوده ، ولا يعرفه.
إنه خارج الحياة نفسها.
يحتضر ..
أو لم يولد بعد

الثلاثاء، مارس 10، 2009

منتهى اللذة ..!


اللوحة :صورة لتمثالي كيوبيد وسايكي
نحت :Antonio Canova
هي حقًا منتهي اللذة ..ليست اللحظة التى يعانق فيها كيوبيد حبيبته سايكي التى هي النفس في الثقافة الإغريقية القديمة.
ولكنها تلك اللحظة التى يشتاق فيها الإنسان لأي شيء. هي اللحظة التى تسبق إشباع هذا الاشتياق.
وعند الاشتياق للموت .. تكون لحظة الاحتضار هي منتهي اللذة.
أنت لست حيًا .. ولست ميتًا .. اللحظة التى تتحول فيها إلى هذا الوجود العبقري ، بين الجسد ، والروح.
اللحظة التى لا تجد لنفسك فيها معيارًا .. فتصير خارج معايير الكون والحياة .. اللحظة التى تاه الناس في اكتشاف سرها .
هذه هي لحظة لذتى التى ابحث عنها .. وأجرى وراءها .
بكل اشتياقي

الأربعاء، مارس 04، 2009

أسكووت ..!


رائحة كوكتيل الجوافة والبرتقال وأوراق العنب ..
هل تعرفين هذه الرائحة ؟!
عندما تختلط بالليـــل وأنا عائدة وحدي بجوار المزرعة العملاقـــــة أمام ( أسكووت ).
أتوقف لأشتم هذه الرائحة المختلطة بالليل ورطوبتهِ وأتوارى من أضواء السيارات المتوحشة على جانب الطريق انتظر هدوءها لأعبره ، وأنا أستمتع بهذه الرائحة كثيرًا .
تذكرنى بأيام شقاوتى الأولى حينما كنتُ في حضانة ( أم المؤمنين ) كنّا نصنع من جريد النخل وسائدًا ، ومن أوراق العنب والبرتقال مأكولات وهمية نتخيل أننا نقدمها لضيوفنا ، وأنها من صنعنا .
هناك رائحة الزعتر التى أحبها كثيرًا ، لكنى لا أجدها ، كنت وأنا صغيرة نهرب من بعضنا في هذه المزرعة العملاقة أمامنا . كانت مساحات كبيرة في بداية المزرعة من ناحية الطريق تمتلئ بالقصب . وبعدها تبدأ جنات البرتقال والجوافة . كنتُ أمضي نهاري بأكمله هناك مع (حنان ) ابنة عم ( شكري ) نلهو حول جنات الفواكة .
حينما كنتُ أعود كانت أمي تشم يدي ، وتسألنى من أين أتيت برائحة الزعتر هذه ؟ كنتُ أضحك وأتساءل عن الزعتر . وأشم يدي لأجد رائحة غريبة . هل هذه هي رائحة الزعتر ؟
كانت رائحة هذا الكوكتيل . المرتبط لدى أمي برائحة الزعتر من أحلى الأشياء في حياتي . لكننى أمس حينما عدتُ تضايقتُ جدًا ، وأنا حينما اتضايق أتحول إلى شيءٍ لا يطاق ، تضايقتُ لأن رائحة كوكتيلي لم تعد بنفس القوة .. لقد هجم الصيف فجبت رائحته كل روائحى المفضلة ، ولم تتفوق معها سوى رائحة المجاري التى طفحت في شارعنا فلوثت حذائي وأطراف جيبتي .
كانت ( دهبية ) قد احاطت كشك سجائرها بجبال من الطين والتراب لتحتمي من سيول المجاري ، فاتخذتُ هذه الجبال طريقًا احتمي به بدوري حتى وصلت لـ كارتـّة (جابر ) فجلستُ ، ومضي الحصان بالكارتـّة التى أغرقت نصف الركاب بمياة المجاري بسبب جابر الحمار ، والشوارع التى تشبه جبال الأوليمب في رعونتها .
وحينما وصلتُ إلى البيت كنتُ قد تحولتُ إلى لعنة من الأفضل تفاديها والابتعاد عنها كما تقول أمي .
البيت ..؟!
أنا لا أفهم جيدًا معني هذه الكلمة .. ولا أعرف لماذا تحبها (سارة ) . سارة صديقتي ، ورغم اختلافنا في كل شيء إلا اننا استطعنا أن نكون صديقتين . نلهو معًا .. واخبئ عندها ( دوللي ) التى حدثتكِ عنها من قبل .
قالت لي سارة وهي بفستانها الأبيض الباهر قبل كتب الكتاب : ( بقي ليا بيت !) وضحكت .. احتضنتها وربتتُ على ظهرها وقلتُ : ( حافظي عليه بقى).
واصطحبناها إلى والدها الذي سلمها لعريسها الوسيم .. كانت ملامحه هادئة برغم ابتسامته الواسعة التى انارت وجهه ، وشعرتُ في عينيه بشيء من الاستقرار النفسي ، والشعور بالراحة والسكن ، لم أكن أرى هذه النظرة إلا في عيون نجوم السينما .
احتفلنا بسارة .. لكنها في نهاية الليلة لم تعد معنا ، ونحن عائدات في الطريق وحدنا ، كنتُ أشعر بفقدي لها ، رغم الضحك والتهريج الذي ملأنا حتى قالت لنا ( ابتسام ) ونحن نفترق .. ( عقبالكم يا بنات ).
وحينما عدتُ وحدي ، وحينما كنتُ مع كوكتيلي ، كنتُ أسأل نفسي عن معنى الكلمة !
البيت !!
كيف يمكن أن تحمل كلمة واحدة قسوة الواقع وروعة الحلم ؟
عذاب أيامٍ تمر دون حساب .. وحلم جميل يسكن هناك وحيدًا مشرّدًا في أقاصي الخيال ؟
البيت ؟
البيت الذي عدتُ إليه وجلستُ على عتبته أقرأ - تحت ضوء مصباح عم ( شكري ) الذي لم يغلق كشكه حتى الآن على غير عادته - عن البيت الذي أحلم به وأتخيل نفسي على أعتابه .. لكن أمي أدامها الله لا تترك لي شيئًا كعادتها ، لقد رأتني مصادفة على عتبة البيت فصرحت: ( خشي يا بت عشان نتخمد ) ثم اتبعت جملتها كالعادة بخلفية موسيقية ( والله ما مبوظ دماغك غير الهباب اللي بتقريه ).
أمي ترى أن القراءة هباب .. وأن كل من أطلق لحيته كافر هدفه إشباع نزواته ، وأن كل من ارتدى نظارة طبية وجلس على القهوة يتفلسف ( صايع ابن كلب ).
أمي لها آراءها الخاصة جدًا في الحياة ، وبعد وفاة أبي تحولت إلى فواعلية ، كل همها إشباع البطون ، لكنها لم تطق صبرًا بهذا طويلاً .
غريب أننى لم أحدثكِ عن أمي في كل مراسلاتنا السابقة ، والتى فقدتها بسبب كبر مساحتها عن المساحة المتاحة على هذا الموقع الغبي ، لن تتصوري غضبي حينما فتحتُ ايميلي لأجد كل رسائلنا السابقة تم حذفها هكذا بمنتهي البساطة .
حينما استيقظتُ صباحًا اليوم بعد الليلة الأخيرة مع ( سارة ) شعرتُ بقبضة في صدري ، وعرفتُ أن شيئًا كريهًا جديدًا سيحدث ، أخذتُ من أمي نقودًا وجريت للـ ( سايبر ) لأكلمكِ وورائي أدعية أمي الخالدة : ( ربنا يستر عليكي ، الكمبوتر ده هيوديكي في داهية ) . وحين اكتشفت ضياع حديثنا السابق ، قمتُ حانقة ولم أرسل لكِ شيئًا ، تخانقتُ مع صاحب السايبر وزملائي في العمل ، ومع طوب الأرض .
عدتُ لأمي ودارت بيننا خناقة كبيرة لأنها لا تفهمنى ، ولا تعرف كيف أثق فيكِ وفي أصدقائي على النت وأنا لا أعرفهم وهم لا يعرفونني ، أقول لها أننى كلمتهم وعرفتهم ، لهذا أثق بهم ، تقول لي : ( يا خايبة بيضحكوا عليكي و بيلعبوا بعقلك ) فأصرخ أننى لستُ صغيرة ولستُ تافهة إلى هذا الحد ، فتنظر لي وتمصمص شفتيها ثم تتلهى عني وهي تقول : ( عشنا وشفنا ) ، فأقول : ( وبعدين لو حتى بيضحكوا عليا هتفرق إية إذا كنت هشوفهم قدامي ، أو مش هشوفهم ، ما هو ممكن يبقوا قدامي وبرضو يكدبوا ، هو أنا هدخل قلبهم ؟ ) تمضي بعيدًا وهي تقول كلمتها الأخيرة والوحيدة ( ربنا يستر عليكي ).
ومع حلول الليل كنتُ قد هدأتُ قليلاً ، فتجاوزتُ روائح المجاري الطافحة في الشارع ، وحاولتُ ألا ألتفت لأضواء السيارات الجائعة للفرائس الآدمية ، وجئتُ إلى ( محمود ) في السايبر ، لأكلمكِ .
هل تعرفين أن أمي لم يعد يهمها شرفي ، ولم يعد يشغلها هذا الموضوع كثيرًا ، هي تعرف أنني في النهاية سأتزوج مهما كان الأمر ، وسأجد من يناسبني في جميع ظروفي . كنتُ أشعر بهذا منها دائمًا ، هي لا تخاف عليّ مثلما كان أبي . لكننى بدأتُ أتأكد من هذا منذ زواجها الأخير من عم ( شكري ) هي تتخيل أنني لا أعرف بزواجها منه .. لكنني أعرف .
قالت حينما وجدوها حاملاً أنها متزوجة ، وأن زوجها يعمل في مصر ، وهي تذهب هناك كثيرًا . مضي يومان ، ثم لم يعد يسألها أحدٌ مجددًا من رجال المنطقة أو نسائها ، حتى أنجبت أخي ( على ) . لكنني كنتُ أعرف أن (على ) ابن عم (شكري ) ، وأن أمي هي الزوجة الخامسة له على زوجاته الأربع .
لا أعرف لماذا قلتُ كل هذا لكِ الآن ؟ رغم أنني معكِ أحب أن أكون نفسي التى أحلم معها وبها . كما كنا في مراسلاتنا السابقة . معكِ أغوص في عالمٍ آخر أحبه وأتمناه بعيدًا عن هذا العالم الغبي القبيح .
عالم مليء بالفساتين الراقية ، والبساتين ، هل تعرفين أنني تركتُ ( دوللي ) الصغيرة مع ( سارة ) في بيتها القديم ، لأنني لا أحب أن أراها على خلفية المجاري ، وسيوف الغجر في صراعاتهم اليومية ، والدماء التى تغرق الشارع في كثير من الأحيان ؟
لقد وضعتها سارة في درج دولابها ، لكنها أوحشتني كثيرًا ، وأريد أن أرى سارة لأراها .
المهم دعكِ من هذا الآن . وحين تقرأي رسالتى هذه ، ارسلي لي كل مراسلاتنا السابقة التى تحتفظين بها على جهازكِ كما أخبرتيني ، وسأحافظ عليها هذه المرة . لأنها غالية عندي جدًا ، وأنتى كذلك يا حبيبتي ، أغلى عندي من رائحة كوكتيل الجوافة والبرتقال وأوراق العنب .
رجاءً لا تتأخري .

*******

جزء من عمل قديم نوعاً

الاثنين، مارس 02، 2009

سوناتتى ..


كنتُ وحدي ..
أنا لا أسعى أن أكون وحيدًا في أغلب الأحيان ، لأننى دائمًا أبحث حولى عن كثير من الأشياء ، الحب ، السعادة ، العمل ، الأصدقاء ، أنا أكره أن أكون وحيدًا لو كنتَ فهمتنى جيدًا .
صدقنى أنا لا أكذب ، لأننى لا أهتم بهذه الحياة الفاسدة ، البائسة ، كي أكذب من أجلها ، أو أفعل شيئًا لا أرضاه من أجلها . أنا أرفع من أن أعيشها ، ولكنى مضطرٌ لأن أحياها . هناك حيوات أنت تتمناها وتتمنى أن تحياها ، شعوب معينة ، زمن معين ، تقاليد معينة ، أنت تشعر أنك جئتَ منها ، ولا بد أن تحيا فيها ، هذا الزمن ليس زمانى ، ولا هذه البلاد مكانى . كثيرًا ما أشعر أننى ولدتُ متأخرًا عن ميلادي بألف عام .
كنتُ وحدي ..
و ربما لهذا كنتُ وحدي ، وكنتُ أحاول أن أؤنس وحدتى بهؤلاء الأصدقاء الذين ينتمون لنفس زمانى الذي انتمى إليه بروحي ، بالامتزاجِ بآثارهم ، سأحاول ُ أن أحكي لك الموقف بالتفصيل .
حينما دخلتُ غرفة الاستماع ، كانت في قمة الأناقة والبساطة ، جلستُ على كرسي ومكتب يخرج من أسفله جهاز استماع ، وسماعات كانت حديثة في هذا الوقت ، واستمعتُ لعبقرية بيتهوفن على مدار ساعة تقريبا . غرقتُ في لغته الحالمة الممزوجة بروحه الثائرة . كان مثلي واقتربتُ منه أكثر عبر هذه السوناتا ، نوعٌ من التقاء الأرواح . لقد استخدم الموسيقي ليقول كل ما تجيش به نفسي ، الهدوء الحالم ووشوشة النفس ، وأحلام اليقظة الناعسة ، الالتقاء بالعالم الثائر ، والشعور بالظلم والاضطهاد ، والنضال من أجل ما تريد ، أحيانًا معاداة العالم كله ، والبدء في رحلة البحث عن الذات التى تعرفها جيدًا ، وتشعر باختلاجاتها تحت جلدك ، ولحظات الانكسار التى تشملك ، وشعورك بالضعف والعجز الإنسانى . ثم لحظات النقاهة التى تقضيها ، قبل أن تواصل رحلتك الوحيدة من جديد كأبطال العصور الوسطى .
إنه يترك لك حرية الاختيار في فهمه ، أنت تقلبه كما تهوي ، وتفهمه بأسلوبك الخاص .إن أجمل ما في الفن هو حرية أن تختار ، وأن تسلك مسارك الخاص في فهم الحياة ، إن اجتماع المفاهيم المختلفة للمفكرين المختلفين يعطينا صورة أكثر وضوحًا للحياة التى حولنا .
لا يمكن أن يكوّن المجتمع مفاهيمه الخاصة ثم يطالب كل من فيه أن يتبع نفس الدرب .هذا نوعٌ من الغباء ، والغرور ، وقصر الأفق ، وهو ما يصنع استقلال المجتمعات في عوائدها ، وتقاليدها ، و يصنع كذلك الحمية والغيرة على تقاليد كل مجتمع ، ويكوّن بذرة الصراع في محاولات استلاب المجد لشعبٍ ، على شعب .
إن مشكلتنا الأساسية أننا نبحثُ الفروع ، ونترك الأصول مهملة . هذه الأصول هي ما تشكل حياتنا ، وتغير مساراتنا ، لو أننا أعطيناها بعض الاهتمام ومساحة أكبر من تفكيرنا .
قد قلتُ لك رأيي عن الحياة ، إن وجودك الإنسانى وقيمة ذاتك هي في الحقيقة أهم من حياتك نفسها ومن أن تحياها أو لا تحياها ، يمكن أن تعتبر هذا نوعٌ من الوسوسة القهرية ، وأنا اعترف به ، أننى أبحث عن الحقيقة والصدق كما هي مهما كانت سيئة . لأن هذه هي أقصر الطرق لفهم الحياة وللمعرفة .

الخميس، فبراير 26، 2009

59ليست أقل من60



أجمل ما في هذا الكتاب أنه يقدم لك عينينِ جديدتين كي ترى بهما العالم الحقيقي ، بدلاً من عينيك القديمة التى أعياهما التدليسُ والافتراءاتُ والأكاذيب من حولك.
يقع الكتاب في مائتين وأربعة وأربعين صفحة ، تصحبنا خلالهم أستاذتى : سامية أبو زيد ، في رحلة حول العالم منذ بداية الألفية الثالثة حتى الآن . وهي تتناول قضايا إنسانية و فكرية ، لا تقف عند حدود الوطن العربي فحسب . بل تشمل البشرية جمعاء.
هي لا تقدم رؤية سياسية للصراع العربي - الإسرائيلي - الأمريكي فقط . بل تشمل رؤيتها السياسية بلدان العالم . وتمزجها بالرؤى الفلسفية ،والعلمية بل والأدبية كذلك . لتخلص في النهاية إلى عدة نتائج لا يمكن تلخيصها في بوتقةٍ واحدة .
فبين اختيارها للعناوين الأدبية الآسرة ، والمضمون المختلف كل الاختلاف عن كل ما يدرج بالساحة ، والرؤية الثاقبة النافذة إلى قلب الحقيقة مباشرةً ، والبساطة والتشويق في السرد ، واللغة القوية المعبرة رائعة الدلالات يتناثر القارئ لكتاب ( تسعة وخمسون ليست أقل من ستين ) حتى تعود فتلملمه الكاتبة إلى أجزائه الصحيحة ، ووضعه القويم في نهاية المقالات .
وكما تقول المفكرة : سامية أبو زيد في نهاية مقدمتها عن الكتاب ( هي رحلة بحثٍ حر بين الكلمات مثلنا في ذلك مثل الباحث عن الصدف ، فقد يكتفي بتقليب الرمال أو يذرع الشاطئ ذهابًا وإياباً ، وقد يضطر حينًا آخر للغوص في البحر بحثًا عنه . وإذن ، فلنغص بين الكلمات والأفكار وما مضى من الأحداث بحثًا عن در المعانى علنا نثرى) .




الاثنين، فبراير 23، 2009

هنــــا .. [ قصة قصيرة ]

أعرف أنه في مكانٍ ما هنا .. يحيط بي ، عيناه تتابعنى و يضحك في سره .. إذا غفوت عنه لحظة فهو يبدأ في العبث بكل شيء ، يغلق المحمول ، أو يفتته إلى أجزائه فتضيع منى مائة رسالة ، ينثر الكتب على الأرض ويخفي الكتاب المفتوح الذي أقرأ فيه ، ويرسم بألوان الحبر على المرآة وجهه المبتسم ، يُغرق ملابسي بزجاجة العطر ، أو يسكبها على الأرض ، يعبث في مفاتيح الغاز وأنا نائم ، فأحمد الله أننى أستيقظ في الوقت المناسب .
أبحثُ عنه في الغرفة ، في الصالة ، في الحمام أو المطبخ ، تحت المنضدة وفي الشرفة .. لكننى أبدًا لا أجده ، ولا أعرف هذه الحماقات الطفولية التى يرتكبها ، لو سمح لي بأن أراه سأعلمه أشياءً كثيرة ، هو يعرف أننى أحبه . أشعر به كثيرًا فوق صدري وأنا نائم يعبثُ في شاربي ، ثم يختفي فجأة لحظة ان أفتح عيناي ، كيف يجيد الاختفاء بهذه السرعة ؟!
أحيانًا .. أسمع ضحكته المجلجلة ترن في الشرفة ، أجري إليها ، فلا أجد إلا حفيف الشجرة الوارفة على جدار البيت ، وطفلة جارتنا التى تعبث بعروستها . و زقزقة العصافير التى تظل تتابعنى حتى أدخل الحجرة من جديد . هو يحب زقزقة العصافير ، أنا أعرف هذا .
أحيانًا أحب أن ألعب معه ، فأغمض عيناي لفترة حتى أشعر بحركته الضئيلة حولي .. أنتظر .. أنتظر كثيرًا حتى يقترب قليلاً ، لكنه يكون حذرًا كثيرًا في اقترابه ، ولا أشعر بنفسي إلا و أنا استيقظ من غفوتى..
الكلب الصغير ! إنه يجيد خداعي جيدًا .. فلا أملك نفسي من الضحك .
لكننى كثيرًا حينما أنام ليلاً أشعر بحركاته غير المستقرة في حضنى ، يغلبنى النوم فلا أفكر في فتح عيناي لأضبطه ، أضمه وأتقلب به للناحية الأخرى وهو مستسلمٌ كالملائكة.
لا أحب الخروج كثيرًا من البيت حتى لا أتركه وحيدًا فترة طويلة ، أعرف أنه لا زال يخاف كثيرًا .
يرن جرس الباب ، فتصمت العصافير عن زقزقاتها ، وتختفي حركته حولي ، يظلم النهار بالخارج ، ويغلف البيت إحساسٌ كئيب .ألم أطلب منهم مرارًا أن يتركونى وشأنى ؟
أتسلل إلى الباب ، و أنظر من العين السحرية ، لأرى أختى وامرأةً معها ، أتنصت قليلاً وأنا أنتظر أن تملا فترحلا ، كانت المرأة الأخرى تقول :
( هو لسة مش مصدق ؟ )
لا أدري ما الذي تريده النساء التى لا تفكر إلا في أمور الآخرين .
( مش عارفة هيصدق أمتى ؟ ادعي ربنا بس أنه يفت ، وما يتكلمشي عن ابنه اللي بيخاف مننا )
محاولاتهما العبثية التى يدركان تمامًا بفشلها ، لماذا يصران عليها ؟
( ابنه ..؟ هو هيصدق إمتى أنه مات ؟ )

الأحد، فبراير 08، 2009

عشق ..!

.................
ويحملُ طيفكِ سحرُ السحر
وليلٌ طُمر
وفجرٌ تفجر .. زهرًا عطر
أعانقُ فيكِ ابتسام الحياةِ
لقلبِ المواتِ
فيغدو بشر
يراقصُ حلمًا على عينيكِ ..
وفوق المطر
......................
ألا تعرفين ؟
بأنى شاعرٌ يهوى السفر ؟
وأنكِ قافلتى ..
و مؤونى
وكل الذخيرة
وقلبي المرابضُ حتى نهاية هذا العمر !
أحبكِ
عشقًا يدوي .. فيرتجُّ هذا الوجود
تثور البحارُ
ويختلُّ حتى مسار القمر
أحبكِ
عشقًا ينامُ على راحتيه فؤادكِ
يهدهد فيه ارتحال الحياةِ
يقبلُ فيكِ ابتسام القدر
................................
يهيمُ البزق ..
فلا تحسبين لحبي نزق
ألا تعرفين ؟
بأن الله هداني بكِ ؟
فكيف يكونُ إذا ما رزق ؟
حبي مطر
يهمي فيغرقُ كل الطرق
ويغدو الشجر
آيادٍ تجاوز هذا السحاب
وتدعو بأن يبقى رزق السماءِ
شموسًا تقر ..
ولا تحترق!
..........................
جزء من قصيدة لا تريد أن تكتمل

الأحد، يناير 18، 2009

طريقٌ .. و امرأتان .

الطريقُ الطويل الضاري ، وضلالات الليلُ الجاثم فوق الوجود ، وأشعةٌ متناثرةٌ في الأفقِ البعيد تتألقُ على جانبي الطريق وتتلوى امتداداتها كثعبانٍ هائجٍ حتى نقطة الزوال .
الطريقُ المظلمُ المكفهر ، برياحه المتخبطة ، وشلالات المطر التي تغرق كل الوجود في فيضها ، وكرابيج البروق الصاعقة ، التي تخطف الأبصار ، وتعيدها مرهقةٌ واهنة ، فيضحكُ الوجودُ وترقص السحبُ في الجوزاءِ سعيدة وراضية.
عيونها كانت تتبعني وسط هذا الصخب ، وتومضُ وسط ضلالات الوجود ، وترقص في سعادةٍ منتشية إذ اتبعها بدوري ، واقتنصُ من وجودها لحظاتُ وجودي.
لكنها إذ تأفلُ عن عيني يأفلُ معها وجودي ، وينتهي ..
متى كانت آخر مرةٍ حاولتُ مضاجعتها فيها و فشلت ؟
كان هذا منذ ألف عامٍ .. ضحكت .. وقامت من ضجعتها ترد لي نقودي ، وتستر جسدها المرمري عن عيني .
أجلسُ على السرير تائهًا .. وتتكور هي على الأريكة تتابع كارتون الأطفال وتضحك ..
يلتفُ العالم من حولي ، و تلفني ظلماته ، فأغوصُ به وأمتزج .. وأتمدد حتى نهاياته القدسية على أطراف الفناء .
ليت لي مثل عينيكِ التي ترى ما بين ذرات الحياة ! ليت لي مثل جسدكِ الرخيص المتاح لكل البشر ! أحلمُ بالغوص داخل وجودكِ العاتي .. و ولوج ثقبكِ الأسود الذي تختفي داخله كل نجوم الفضاء .. و ذراتِ الحياةِ .. وذنوب البشر .
كنتِ تنظرين إلى السماء .. وتضحكين من ثوب الليل الرخيص المرقع بأضواءِ النجومِ وهالات السحب .
أنظر للسماء .. وأحاول أن أضحك من الوجود الأحمر و قرقعات السحب .
يا لها عيناكِ إذ تبدوان وسط طوفان الثورةِ تضحكانِ في كسلٍ .. فتسلخُ من وجودي وجودًا تائهًا ، وتمحو عن حياتي ضلالات عهدٍ بائدٍ لم يبق منه سوى عينين حالمتين بكل شيء .
حاولتُ أن أبتسم ، أن أقفو خطو تعاليمكِ الخرقاء ، لكني دائمًا أفشل!
الوجودُ الصغير الذي ينحشر فيه أربعة عشر آدميًا ، ويركضُ سابحًا فوق مياه الأمطار ، ربما يصل لهدفه .. لأنه يعرف الهدف .
كم مرةٍ رافقتكِ .. وحاولتُ البحث عن أهدافٍ .. والركض إليها ، لكنها كانت تختفي لتظهر في مكانٍ آخر واتجاهٍ آخر ، فأواصل الركض إليها ، لتختفي من جديد وتظهر على بُعد آلاف الحدود !
كم مرةٍ كانت الساحةُ فارغةً من الأهداف ، فجلستُ وحدي في الظلام والبرد متفردًا بوجودي ؟!
كم مرةٍ أخبرتني وهي تتدثر في صدري ، أن أكون مقتنعًا بما أفعله لا مضطرًا إليه ؟!
أنا لم أفعل أي شيءٍ في حياتي من قبل كنتُ مقتنعًا به .. حجرًا صغيرًا فوق بساطٍ أملسٍ يتحرك بردود الأفعال وبقصوره الذاتي . هي أيضًا اضطرت لما تفعله ، بعدها .. أقنعت ذاتها به لتريح الأنا العليا .. وتهوى بها إلى الذات السحيقة.
وقتها يتحول العالم كله إلى بركةٍ عفنةٍ تفوحُ منها النجاسة وفضلات البشر . تحاول أن تخلع طبقات العفن المتراكمة حول روحها على كل من حولها ، لكنها تتجمع من جديد ، وتتكاثر كالمرض الخبيث.
فقدت كل شيءٍ ، ولم تملك إلا ابتسامتها .. واستكانتها .. ورجاءها الوحيد بأن ألجها ، وأحتل أرضها الغافية.
رأيتها آخر مرةٍ على مقهى تدخن مع أحدهم ، نظرت لي في صمتٍ وتلعثمت .. ثم أخفت كل هذا بضحكةٍ اختفت خلف سحب الدخان الذي فصل بين عيوننا .
لا أتخيل لحظةً أنني أحببتها ، كانت بالنسبةِ لي حالة أعيشها ، وحاجةٍ لم أفرغها أبدًا.
لكن وجودها كان عاتٍ ، هز أركاني ، لكنه في النهاية أضاف له المزيد من الأساسات والدعامات ، فارتقى .. كما ترتقي مياه البحار لتصطرع في السماء ، وتعود من جديدٍ لأرضها نقيةً طاهرة.
هي أكسبتني خبرة التجريب ، و وعي من رأى كل شيءٍ ، لكنني أحلمُ باللحظةِ التي أصطرعُ فيها مع غيمةٍ توازيني لأعود إلى أرضي الأولى طاهرًا .
أنظرُ من النافذة الأمامية ، وبين رقص المساحاتِ وقطرات المطر التي تومضُ كألف شمسٍ صغيرة ، كنتُ أرى الطريق الطويل يتلوى أمامي كالثعبان ، وتختلف اتجاهاته مع كل انحناءة .
هل جربت السرقة ، القتل ، الكذب ، واختلاق الأكوانِ الوهمية ، وإقناع من حولك بها ؟
في بعض الأوقات تظن أن هذه هي قمة الذكاء ، ومنتهى التأثير ، وروعة الحرية ، أن تفعل ما تريد بلا قيودٍ ولا حدود .
كأن وجودك يتمرد عليك ، ويدحره وجودٌ آخر طاغٍ يتمطى تحت جلدك ، فاردًا سلطانه معتزًا بفحولته.
و من لا يختلق – في كل مكان- أكوانًا وهمية يوهم بها الآخرين ، وتدعو لها وسائل الإعلام ؟
بعدها تصير العودة إلى الأرض الأصلية والرضا بها عبئًا ثقيلاً لن يقبله عقلاً بشريًا مهما حاول .
هي كانت كوني الآخر الذي لا أعترف به ، الذي أراه من الخارج وأتحدث عن تجاربي الجهنمية معه .
الطريق الإسفلتي يعج بمياه المطر ، وقد استكان الكونُ خلفه تاركًا آثار عصيانهِ .
متى قررتُ أن تكون لي غيمةٍ أخرى توازيني ؟
هل كان هذا حينما قابلتها – هذه الغيمة- فعلاً ؟
ربما !
ولهذا ربما تستكين هي بين ذراعيّ في ثوبها الأبيضِ ، ترقب الطريق من نافذتها وترتجفُ في صدري.
الآن أعرف أنني قادرٌ على الاصطراع معها .. جسدٌ صغيرٌ لم يمسسه بشرٌ من قبل ، ترتاحُ له روحي ، وسيقتل بداخلي كل الأكوانِ المختلقة ، ليتمدد وجودي الحقيقي حتى يدحر وسائل الإعلام الكاذبة .
أنظر لعينيها ، واستطيع أن ابتسم .
أنظر لنافذتها ، فأرى الوجود الملقى على جانبي الطريق لا يأبه به أحد ، بينما يشق الوجودُ الصغيرُ الطريقَ الطويلَ الضاري رغم عصيان الوجود.
***

السبت، يناير 10، 2009

صدور ( أوراق بلون الورد ) استنساخى الاول


عن ( دار رواية للنشر الإليكترونى ) صدرت محاولتى الأولى لاستنساخى ( أوراق بلون الورد ) أو ( م.ي. 1 ).

أتمنى ان تنال المجموعة القصصية رضا من يقرأها

لتحميلها اضغط ( هنا ) يمكن تحميلها مباشرة من ( هذا الرابط ) .

الثلاثاء، ديسمبر 30، 2008

إبراهيم داوود ، وحالة مشي عبر الوطن

في زيارة سريعة لدار ميريت منذ يومين ، أهداني الأستاذ : محمد هاشم ، أربعة دواوين دفعة واحدة من إصدارات الدار كنماذج شعرية لما تنشره الدار ، بعد معرفته باهتمامي بهذا الفن الرفيع .
الحقيقة أنه كان كرمًا يفوق الحد ، أربعة دواوين هي ( كيف يقضي ولد وحيد الويك إند ) لإبراهيم السيد ، ( حالة مشي ) لإبراهيم داوود ، ( أوقات مثالية لمحبة الأعداء ) لمحمود قرني ، و ( عين سارحة وعين مندهشة ) للرائع الراحل أسامة الدناصورى . هي هديه تفوق الخيال بالنسبة لأمثالي .
أثناء عودتي للإسكندرية في قطار الخامسة كنتُ قد انتهيت من قراءة الديوان الأول قراءة تفصيلية ، وفي فراشي ليلاً استغرقتنى أوقات محمود قرني لمحبة أعداءه ، ومنذُ قليل كنت أشاهد حالة المشي التي يقوم بها إبراهيم داوود.
وفي الديوان الأخير هذا تحديدًا توقفتُ أمام لغة الشاعر ، وقصائده القصيرة المركزة المتتالية المنهالة كسيل المطر الجارف .
يبدأ ( إبراهيم داوود ) ديوانه بحالة من عدم الرضا عن الحياة برغم أنه يفعل فيها كل ما يحبه ( أحب طريقتي في المشي / والخير للناس / وأحب أن أسمى الوحدة شجرة ) وبرغم امتلاكه لثلاث جنات ( وأمتلك في الجنّة ثلاث شقق / استمتع بالكسل في الصغيرة / وأكتب قصائد وحكايات في الثانية / أضيعها في الثالثة / التي بها أنهارٌ من الخمرة / ونساءٌ يروجن للغناء ) .
هو لا يتحدث عن الحياة ، ولا عن تفاعله مع الحياة ، ولكنه يتحدث عن استغراقه في الاستمتاع بهذه الحياة هذه هي قيمة الحياة في نظره ، ولكن هذا الاستمتاع غير مجدٍ ، فحتى الأشياء البسيطة التي ينتجها في جنته ( كتابة الحكايات والقصائد ) يضيعها بسبب رغبته في الاستمتاع بباقي ملذات الحياة ، وهو لهذا لا يشعر أن السلام الذي يتوهمه موجودًا بينه وبين المجتمع كافٍ ( وعندما أكونُ حزينًا / آكل كثيرًا / وأسرفُ في كل شيء / وأبدو مسالمًا ) ، لأن هناك سلامًا نفسيًا بينه وبين نفسه ، منعه المجتمع – كما سيوضح في باقي قصائد الديوان - من الشعور به ، لأنه ( في آخر الليل / عندما أكون على وشك النوم / التقي الكوابيس في الطريق).
فتجربة الوحدة التي يحكي عنها الديوان ، ( التي تتضح أكثر في القصيدة الثانية والثالثة من الديوان ) فرضها عليه المجتمع ، المجتمع الفوضوي المليء بـ ( العفاريت القديمة / التي كبرتُ جنبها ) و بـ ( الخوف القديم / الذي يبرر وجودي معك ).
فحديثه عن ( الفوضى ) يقدم لنا صورة جديدة مبرره للوحدة الاختيارية – كما يظن الشاعر – ولكن فرضها عليه المجتمع . فهو يحاول تجاوز فوضي المجتمع المنتشرة حوله ، ويحاول أن يبتعد عنها ولا ينتبه لها لكنها بالرغم منه تقفز عليه في أفضل لحظاته لتفسدها ( مراتٌ كثيرة / عندما أعود متوترًا / وحزينًا / انسي أنهم هناك / فيبدأون نباحًا جماعيًا / أتذكره / عندما أستيقظ ) .
وهوي يلخص أسوأ ما في وطنه في كلمة واحدة ( الفوضى ) ثم يأتي على هذه الفوضى ليشرحها ويصف شكلها والقائمين عليها : (الليالي السابقة / جعلتني أعتاد وجودهم / ينتشرون في هذا الوقت / كأنهم حراسُ على الشوارع كلها ) ، ثم يعود في قصيدة تالية ( متاريس ) ليستكمل هذا الوصف ( كلما اكتشف طريقه إلى العزلة / اصطدم بهم / أولئك الذين يسدون عليه / ارتجالاته / كلما شرع في العزف ).
وفي ( مساءات ثقيلة ) تتضح لنا أن العزلة التي يظن الشاعر أنه فرضها على نفسه ، بل ويؤكد اختياره لها في نهاية القصيدة ( سأحكي لكِ / عن القوانين التي وضعتها / كي أصير بمفردي ) هي عزله فرضها عليه المجتمع ، فهو يحاول أن يفر من هذه العزلة مع حبيبته التي يتمنى أن ترافقه حياته المنعزلة ( سآخذكِ إلى الجبل / وأحكي لكِ عن المآذن واللغة ).
فالمرأة لدي الشاعر ليست هدفًا في حد ذاته ، ولكنها ملجأً يلجأ إليه من المجتمع الذي يعاني فيه الشاعر ، فلجوءه إلى الحب إنما هو مجرد فرار من الحزن والوحدة و المعاناة.
الحب هو المخرج الخلفي للشاعر من الحفرة التي يعيش فيها الشاعر والتي ملأتها الذئاب ، وحتى هذا الحب المصطنع ، والذي ألجأه إليه المجتمع أيضًا. يأتي مهزوزًا ، ويشوبه الخوف وعدم الشعور بالاستقرار ، وهو نفس الشعور الذي يحسه الشاعر تجاه وطنه ( الغموض الذي بيننا / أطلق العفاريت / العفاريت القديمة / التي كبرتُ جنبها / متصالحًا مع الخوف / الخوف القديم / الذي يبرر وجودي معك ).
الغموض الذي يكتنف علاقة الشاعر بالمرأة ، يتضح أكثر في قصيدته الرابعة في الديوان ( الأخرى ) ، فالمرأة هي الملجأ والسكن ، الحضن الذي ينام فيه ويستريح من عناء الحياة التي لم تترك له فرصة مناسبة للعيش .
في ( الأخرى ) يحكي الشاعر عن حبيبته القديمة التي تركها ( لأنها أرادت أن تسرق من روحه / الأشجار / لتشعر بالدفء / فانتقل إلى الجانب الآخر / يرتب أيامه ) بينما هو كان في حاجة إلى أن ( ينظر الليل /في مكانٍ عام / لتقبل عليه الذكريات / وعليه أن ينصت إلى ملامحه / وهي تحبو في اتجاه البساطة / ليكتب شيئًا "جديدًا"عن الحزن )
الآن وقد قدم الشاعر نفسه جيدًا يبدأ في حالة المشي عبر الوطن ، فهو يقدم لنا صورًا متتابعة من المشاهد التي يراها في مشيه ، يقدمها من وجهة نظره ومن طريقة إدراكه ، وبأسلوبه المكثف .
وهي حالات خاصة صنعها المجتمع ، تقدم سلوكياتها الخاصة جدًا بالعالم كما يراه الشاعر ، وبمفرداته التي صنعها معنا في بداية قصائده ، المرأة / الحضن ، والعزلة / المثمرة ، والحياة / المتعة ، الفوضى / المتاريس ، ..إلخ.
وهو يعود في بعض الأحيان إلى نفسه ، أثناء مشيه فكأنها حالة من ضمن الحالات التي يشاهدها الشاعر من علِ. ليتناولها ضمن ما يتناول .
هو غير مصابٍ بالنوستالجينا ، ففي قصيدة ( العودة ) يظن أنه إذا عاد لأي شيء لن يجده كما يتمناه ( كان سعيدًا وهو يفتح الباب / -أخيرا؟ / - .... / - ما هذا ؟ / من انتم؟ /- من هؤلاء ؟/ -من أنت ؟ ) .
فهو ثائرٌ حتى على الماضي ، لأن الماضي بالنسبة له يعنى البذرة التي أنتجت كل ما هو فيه من معاناة ، ( القادمون من الماضي / وصلوا إلى الحكم / لأن الطريق إلى الحكم / مرتبط بالماضي / والخيول التي قفزت / في العرض الأخير / مطهمةٌ / وجديدة / وتقفز بعد الخيال ) .
أما أفضل صوره الشعرية – في رأيي – فهو يقدمها في قصيدته ( أشياءٌ غائمة ) :
سآخذ البشرية من يدها
هذا المساء
سآخذها خارج المدينة
لأحكي لها عن رحلتنا الأخيرة
التى فشلنا في اختيار أرجلنا فيها
عن الفراغ الذي سرق الكلام وهرب
.........
..........
..........
أريد أن تشاركنى حالة المشي
التى تنتابنى كلما تقدمتُ في العمر
الحالة التى أتذكر خلالها أشياءٌ غائمة
وأقرر ألا أتذكرها بعد ذلك
وأتذكرها بعد ذلك .
........
البشرية الآن لا تخرج مع أحد
تجلس في المكتبات القديمة
تبحثُ عن أصابعها
.............

فقناعته بعدم جدوى الكلام في تغيير البشرية .، وشعوره بأن ما يفعله - هو أنه يهدي البشرية كتابًا لتقرأه - لا يأتي بالتأثير الذي يريده ، هكذا تمنى أن يجعل البشرية كلها ترى ما يراه ، لتشعر ما يحسه ، فربما تغيرت وقتها.

ثم ينهي الشاعر ديوانه بقصيدتين جميلتين ، تتناسبان مع حالة الديوان وقيمته ، ففي ( وزن زائد ) هو يتمنى أن يتخلص من كل ما يعوقه عن القيام بأسلوبه في الاستمتاع بالحياة ( أخرجُ في اتجاه البحر / أشترى مدينة قديمة / أنشر عليها ملابسي / وأجول وحدي فيها / مدينة ساحلية خضراء / تتسع كلما اقتربتُ منها / سأتخلص من الوزن الزائد / الذي أصاب ذاكرتي ) . هو يحاول القيام بكل هذا ، لكن ثمة وزنٌ زائدٌ يعوقه عن هذا ، هذا الوزن ربما كان مجمل التجارب السيئة التي حصل عليها الشاعر في حياته ، لهذا فهو يقوم ببعض ( زيارات ) للسماء وهي القصيدة الأخيرة في الديوان ، في أواخر نهارات الشتاء حيث يكون الباب مفتوحًا ( أصعدُ بمفردي / الوصول إلى هناك ليس صعبًا / كما يظن الأصحاء / التخلص من أثاث الليل / يجعل الكلام رحبًا / وافتقاد الموتى / يبدو طبيعيًا ) .
ربما كان تحدث عن الموت ، أو عن الغرق في الخيال ، أو عن الملائكة ، لكن الحقيقة هي أنه فقد الأمل في هذا الوطن ، بصوره وحالاته التي رآها خلال رحلة حياته ، أو حالة مشيه التي قضي فيها حياته ، وبدأ يبحث عن وطنٍ آخر يكون له الحضن والملجأ ، وهو نفس السلوك الذي اتبعه في علاقته بالمرأة ، فقد ترك الأولى ، ولجأ إلى الحضن والنوم الذي كفلته له ( الأخرى ).
الديوان في مجمله ، مليء بعوالم شعرية جميلة ، ولغة الشاعر حالمة ، تأخذك في تيارات شعورية مختلفة بين الثورة ، والحلم ، والأمل ، والغضب ، والحب المفقود ، وفي كيان نثري شعري ، مطلق الخيال .

الخميس، ديسمبر 25، 2008

كتــالوج .. [ قصة قصيرة ]

جلس على كرسيه وقد أصابه دوار الحيرة من جديد .
بدأ يعبث في دبلته الفضية الجديدة التي لم يعتدها من قبل حول خنصره الأيمن ، وكعادته أسقط كل ما حدث على أقل الأشياء شأنًا ، هذا الكتالوج الأحمق الجديد .. بسببه حدث كل هذا الخطأ .
فكر قليلاً وهو يتصفح الكتالوج : ألم يكن الرجل غريبًا كذلك ؟
منذ اللحظة التي دخل فيها مع ابنته الناهدة المتنهدة ، وهو يشعر بغرابة أطواره .وقف معه يساعده في اختيار الأجهزة الكهربائية التي يحتاجها ، قبل أن يبدأ الرجل حواره الحميمى فجأة ، حكى له أنه يحتاج هذه الأجهزة في زيجته الثانية التي لا تعرف بها ابنته .
أخبره عن أعماله المتعددة في الإمارات ، وسفره الكثير لكل بقاع العالم ، وأنه يحتاج إلى رجل حقيقي يستطيع أن يعتمد عليه في العمل ، بل ويزوجه ابنته كذلك ، لكن للأسف ليس هذا هو زمن الرجال الحقيقيين ، لذا لا تتوقع أن تقابل أيًا منهم أبدًا ، ثم قهقه ضاحكًا بصوتٍ لفت انتباه باقي زوار المعرض .
أما هو فقد كان يمسك الكتالوج الجديد في يده اليمنى ، يحاول أن يعرض على عميله غريب الأطوار هذا أشكال المنتجات التي لديه ، ويستمع برغمه إلى قصة حياة الرجل وفلسفته مجبرًا .
لو لم يستمع لصار مُقصرًا في عمله ، إن رجل المبيعات الناجح هو الذي يصير صديق العميل ، هذا هو الدرس الأول الذي تعلمه في عالم المبيعات الجديد. لكن رأيه أن هذا كان يحدث بالخارج ، وأننا لم نصل بعد لمستوى الحياة العامة التي تسمح لنا بتقديم هذه الرفاهية للمشترى .
حينما يخرج من عمله في هذا المول التجاري الضخم ، ويعود لبيته ، يشعر بضخامة الفارق في أسلوب الحياة . كأنه انتقل عبر الزمن إلى عصور سحيقة ، أو انتقل إلى عصور لم تأتي بعد ، يعد نفسه لاستقبالها كلما ارتدى ملابسه صباحًا وتوجه للعمل .
كانت الفتاة تقف ناحية أجهزة الاستحمام ، فوكزه الرجل في كتفه وغمز له ، وأخبره أن يكون جنتلمان ، ويساعد البنت في أي شيء تطلبه .
كرر ابتسامته العملية التقليدية ، ولم يلحظ ضغط الرجل على كلمات ( أي شيء تطلبه ) بابتسامه متآمرة . وبنفس ابتسامته التي انطبعت على شفتيه قدم نفسه للفتاة ، فابتسمت له بخبث ، دارت حول المكان ، وفي دورتها تركت تضاريسها المرتفعة تحتك به . ذكرته لمساتها المتأنية بالقطن الناعم الهايش الذي كان يغطس فيه حينما كانوا يجمعونه في القرية وهو طفلٌ صغير .
ودّ - في أعماقه - لو يغطس في زكيبة القطن الناعم المتحركة هذه فلا يخرج أبدًا ، وهي كانت تسمح له للحظة خاطفة أن يكتمل حلمه ، قبل أن تبتعد مجددًا. حاول أن يتمالك نفسه وهو يرد على أسئلتها الساذجة التي تلقيها بصوتٍ كحوريات الإلياذة.
اعتلى صهوة الأمواج في داخله ، وحاول حجب الطوفان العاتي أن يغرق روحه فلا ينجو أبدًا. تدور الفتاة ، ويدور حولها ، وحولهما تدور خيالاتٌ هائمة تسبحُ في العدم .
ومن بعيد وقف الأبُ يتابع كل هذا ، وهو يتكلم مع مدير المعرض .
شعر بنظراته المتلصصة لهما ، وشعر أن شيئًا ما ليس طبيعيًا ، فترك الفتاة ، وذهب للأبُ وقد التقط أحد أسئلته للمدير فوقف يجيب عليها .
انسحب مدير المعرض بهدوء ليواصل عمله ، فتأفف الأب وأخبره بخبث أنه لا يوجد سوى المجانين من يتركون الفتيات القادمات من القمر وحيدات . وأشار لابنته.
ووكزه من جديد ليترك رسمية العمل ويتعرف عليها بشكل شخصي . هنا بدأ تفكير الفتى يأخذ منحنىً آخر ، الفتيات القادمات من القمر لا يقدمهن آبائهن لكل من أتيح من البشر ، بل يحتفظون بهن حتى يأتي لهنّ أبناء الشمس . و هو كان يكره الشمس بعنف ، يكره ما تصنعه من حر وعرق وضوءٍ عاتٍ يخطف البصر ، كان يعشق الظلام والسكون والدفء .
ذهب مجبرًا إليها ، فلفحه صقيعها ، فارتعش .أخبرته أنها تحلُم باليوم الذي تختار فيه أجهزتها لبيتها مع حبيبها ، ويتفننا معًا في تنظيمها ، بدلاً من أن تختار أجهزة عروس والدها الذي يظنها حمقاء لا تعلم.
هي تفعل هذا لأنها تحبه ، أخبرته أن المرأة إذا أحبت فهي تفعل أي شيءٍ من أجل هذا الحب.
لا توجد حدود يمكن أن تحجب فيضانات الأنثى ، لقد خبر هذا قديمًا مع نوال ، زوجة عمه اللعوب . سألته إذا كان يعرف هذا ؟ فلاح في عينيه أشباحٌ من ماضٍ لم تزل آثاره باقية في سريرته .
قالت أنها تستغرب أن تقول له هذا الكلام ، هي لا تفعل هذا إلا مع شخص تثق فيه ، أو تميل نحوه . حتى هذا أخبرته به نوال قديمًا ، قالت أنها تميل نحوه ، وتريد أن تكون أول أنثى تتذوقه.
قالت له وهي تتوقف وتعود أدراجها إلى والدها ، أن الغريق يبحث عن أي قشة ليتشبث بها من مصيره ، وهي تشعر أنها وجدت قارب نجاه.
بالرغم من هذا فقد ظل محتفظًا بالكتالوج في يده اليمنى الذي دارى دبلته الجديدة عن الأعين ، غريب أنهما لم يلحظاها حتى الآن ، لقد هنأه كل زملائه ، وأقاموا له احتفالاً صغيرًا.
أعطاه أبوها بطاقته وعليها عناوينه ، وأخبره أنه يستطيع أن يجد له عملاً أفضل إذا هو زاره . هو يبحث عن رجل حقيقي يساعده ، إن السفر للإمارات مع زوجة جميلة مثل ابنته فرصة لا يحصل عليها غير المحظوظين فقط.
هكذا صار الكلام مباحًا واضحًا علنيًا . ولم يعد في إمكانه أن يترك الكتالوج من يده ، حتى حينما تركه مجبرًا حاول إخفاء دبلته في قبضته المضمومة وهو يكتب للرجل فاتورة الشراء .
لكنه رآها ، رآها وهو ينهي لقاءه ويصافحه فاكفهر وجهه ، هو حاول أن يُخرج ابتسامةً من بين توتره وهو يخبره أنها مجرد دبلة ليطرد بها المعجبات ليس أكثر ، حتى يحصل على أفضل فرصة ، وقد جاءت ، واتسعت ابتسامته لينتشل عميله من الغضب ، ووظيفته من الضياع . فعادت ابتسامة الرجل المستغيثة وهو يخبره أن هذا أفضل بالتأكيد .
وحينما جلس على كرسيه كان يصب كل غضبه على الكتالوج اللعين الجديد ، لو لم يأتوا به .. لو لم يمسكه في يده .. لما حدث كل هذا الخطأ .
فكر قليلاً .. ما الذي يدعو رجل أن يقدم ابنته بهذا الشكل ؟ حتى الغواني تدفع أنت لهن ، لا تأخذهن محملين بالذهب .
حاول أن يهدأ قليلاً ، ووسط دوار الحيرة الذي عصف برأسه ، قطّع بطاقة الرجل وألقاها في سلة المهملات بجانبه.

15-12-2008




الأربعاء، ديسمبر 24، 2008

الإسكندرية ,, قديمًا ( القرن التاسع عشر )


















نهاية عام

يقترب العام من نهايته رويدًا ، رويدًا ..
ولا أعرف ما السبب الذي دعانى لتغيير شكل المدونة برغم مرور أكثر من عامين على شكلها هذا . برغم كونه تغيير بسيط جدًا .
أجلسُ لأفكرُ في صمتٍ عما جنيته خلال العام ، أذكر خلال جلستى قراءاتى المستهزءة عن تنبؤات الفلكيون عن العام الفائت ، ولا أجد سوى ابتسامتى الساخرة المختنقة منها .
على المستوى الشخصي هناك تطورات لا بأس بها وإن كنتُ أستكثر عليها أن تحدث خلال عام كامل .
على المستوى الفكرى ، هناك نوعٌ ما من النضج في مستوى الاهتمامات ، لكن مع شعور عام بفقد شيءٍ ما لا أعرف ما هو تحديدًا ، هناك شيءٌ ما ينقصنى ، أبحثُ عنه باستماتة لكننى تحديدًا لا استطيع أن أعرفه أو أن أمسكه بأطرافي ، شيء ما أشعر أننى أقترب منه كثيرًا جدًا كلما استمعتُ إلى ريم بنا أو عايدة الأيوبي بالذات .
على المستوى الأدبي ، لم أكتب سوى قصيدة واحدة تقريبًا ، عام كامل لم أكتب فيه سوى تلك القصيدة الموجودة في التدوينة قبل الفائتة ، أعتقد اننى انتهيت كما يقول رامبو ، غريب أننى أشعر بالفراق ، أننى أفارق شيئًا ما كنتُ أحبه كثيرًا . افقده ، وأضيعه من بين أصابعى برغم تشبثي العنيف به ، لكنى أفقده برغمى . حينما أقرأ قصائدى القديمة أعرف قيمتها التى لم أكن أعرفها وقت أن كتبتها . كنتُ وقتها أنا الأساس بينما هي الأجزاء المتناثرة منى . أما الآن فهي الأصل بينا أنا محض شظايا.
تقول استاذتى : سامية أبو زيد ، دومًا لي أن هذه مرحلة انتقالية نتيجة النضج الفنى . أنا أثق بها كثيرًا جدًا ، لكننى للأسف لا أشعر بأن هذا الكلام ينطبق علىّ. باختصار ، أنا أشعر بافتقادي لاختلافي الذي كنتُ أشعر به وقت أن كنتُ صغيرًا .
على المستوى العملى ، ربما كان هذا هو أفضل المستويات بحمد الله ، هناك تطورات لا بأس بها أبدًا ولله الحمد . وإن كان طموحي يتعدانى بكثيرٍ جدًا ليخترق السحاب .
أشعر أن هناك قطيع من المواشي يسير في الصحراء وسط القيظ والعطش ، وبرغم أن الراعي لا يعرف أن هذا قطيعه ولا يعرف طريق الرعى جيدًا ، فإن القطيع ذاته لا يرى الآخر ، ولا يعرف بوجوده ، وكأنه يظن أنه الوحيد وسط هذه الصحراء والحر والعطش .